بعد تأصيل مبادئ الإيمان والعقيدة في النفوس ووضع القواعد الأساسية لأمور العبادات، يأتي دور محاسن الأخلاق التي تزكو بها النفوس، ويستقيم عوجها (٦) واتخذ لذلك وسيلتين: إمَّا التدرجَ، وإما القطعَ الحاسم. وكان
[ ٢٩ ]
التدرج في تربية الأمة وفق ما يمر بها من أحداث. وأوضح مثال لذلك التدرج في تشريع تحريم الخمر.
فقد نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٧] .
ثم نزل قوله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فقارنت الآية بين منافع الخمر فيما يصدر عن شربها من طرب ونشوة أو يترتب على الاتِّجار بها من ربح، ومضارها من إثم تعاطيها، وما ينشأ عنه من ضرر في الجسم وفساد في العقل، وضياع للمال وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ونَفَّرت الآية منها بترجيح المضارِّ على المنافع.
ثم نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] فاقتضى هذا الامتناع عن شرب الخمر من الأوقات التي يستمر تأثيرها إلى وقت الصلاة، حيث جاء النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر حتى يزول عنهم أثره، ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم.
ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] . فكان هذا تحريمًا قاطعًا للخمر في كل الأوقات (١) .
_________________
(١) انظر: تاريخ التشريع ص ٥٤-٥٥.
[ ٣٠ ]
وهناك بعض الأخلاق التي واجهها ﷺ مواجهة حاسمة دون تدرج أو إبطاء عند تعليمه لأصحابه، لما يترتب عليها من أضرار. منها:
* الغيبة:
وهي من الصفات المذمومة والتي يتم فيها ذكر المرء ما يكرهه بظهر الغيب (١) فالرسول ﷺ بين لأصحابه ما هي الغيبة، وما الفرق بينها وبين البهتان. فعن أبي هريرة ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه" (٢) (٣) .
والله تعالى ذكر مثلًا منفرًا عن الغيبة فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] قال الشيخ السعدي: "شَبَّهَ أكل لحمه ميتًا المكروه للنفوس غاية الكراهة، باغتيابه فكما أنكم تكرهون أكل لحمه ولاسيما إذا كان ميتًا، فاقد الروح، فكذلك فلتكرهوا غيبته، وأكل لحمه حيًا" (٤) .
وحذَّرهم من الغيبة، وبيَّن لهم العقاب الشديد لمن أطلق عنان لسانه ليتحدث بما يشاء كيفما شاء.
_________________
(١) انظر فتح الباري جـ١٠/٤٨٤.
(٢) بهته: أي قلت فيه البهتان وهو الباطل.
(٣) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الغيبة رقمه (٢٥٨٩) جـ٤/٢٠٠١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان جـ٧/١٣٨.
[ ٣١ ]
عن أنس بن مالك - ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (١)، قال الشيخ السعدي تعليقًا على قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأنها من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر" (٢) . وبين ﷺ أن التعريض بالغيبة كالتصريح، سواء كان إشارة أو إيماء أو غمزًا أو لمزًا أو حركة أو إشارة أو محاكاة.
وعن عائشة ﵂ – قالت: فقلت للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". قالت وحكيت له إنسانًا فقال: "ما أحب أني حكيت إنسانًا وأن لي كذا وكذا" (٣) .
قال ابن حجر ﵀: "هي ذكر امرئ بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله" (٤) .
والرسول ﷺ قد حثَّ المسلم على دفع كلام السوء عن أخيه المسلم وأن من فعل ذلك أبعد الله عن وجهه النار فعن أبي الدرداء ﵁، عن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/٢٢٤)، انظر صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب باب في الغيبة رقمه (٤٨٧٨) جـ٣/٩٢٣ واللفظ له.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، جـ٧/١٣٨.
(٣) صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب باب الغيبة رقمه (٤٨٧٥)،جـ٣ ص٩٢٣.
(٤) فتح الباري جـ١٠/٤٨٤.
[ ٣٢ ]
النبي ﷺ قال: "من رد عن عِرْض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" (١) .
فعلى المعلم أن يقتدي برسول الله ﷺ ويحث طلابه على مدافعة بعضهم عن بعض، وعدم تتبع عورات بعضهم بعضًا، فعن معاوية ﵁ قال سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم" (٢) .
وقال عمر ﵁ في ذلك: "وإياكم وذِكْرَ الناس، فإنه داء" (٣) .
* النميمة:
هي نَقْلُ كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، ولذلك حذر منها رسول الله ﷺ وبين أنها طريق موصل إلى النار، فعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ: "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه".
كما أن النمَّام ينال عقاب الله في قبره، كما ورد عن ابن عباس ﵄ – أنه قال: "مرّ النبي على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، - ثم قال-: بلى، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله"، قال: ثم أخذ عودًا رطبًا فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: "لعله يُخَفف عنهما، مالم ييبسا" (٤) .
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي أبواب البر والصلة باب ما جاء في الذب عن المسلم رقمه (٢٠١٣)، جـ٢ ص١٨١.
(٢) صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب، باب في النهي عن التجسس رقمه (٤٨٨٨)، جـ٣،ص٩٢٤.
(٣) إحياء علوم الدين (جـ٣/١٥٢) .
(٤) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول، رقمه (١٣٧٨)،جـ٢/١٢٥ صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه رقمه (٢٩٢)، جـ١ ص٢٤٠. واللفظ له.
[ ٣٣ ]
قال الحافظ ابن حجر: "قال الزين بن المنير: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهم " (١) .
قال قتادة -﵀-: "ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول" (٢) .
فالمعلم يبين أن النميمة تؤذي وتضر، وتؤلم، وتجلب الخصام والنفور وتذكي نار العداوة بين المتآلفين، ولم ينقل جواز إباحتها أحد (٣) . فقد روي عن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا فقال له عمر:" إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] . وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] . وإن شئت عفونا عنك؟ فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا " (٤) .
فالرسول ﷺ وهو المعلم الأول للبشرية يبين الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة وعلومها، ويبين الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة ويحذر منها.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "فالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها هي أسباب سعادة الأمة ورقيها، وبقاء حكمها ودولتها، فعلى كل مسلم ومسلمة التخلق بهذه الأخلاق العظيمة" (٥) .
_________________
(١) فتح الباري جـ٣/٢٤٢.
(٢) إحياء علوم الدين جـ٣/١٦٦.
(٣) انظر: نضرة النعيم، جـ١١/٥٦٧١.
(٤) انظر: إحياء علوم الدين جـ٣/١٦٦.
(٥) انظر: الأخلاق الإسلامية ص ٣٢-٣٣.
[ ٣٤ ]