كان رسول الله ﷺ نعم المعلم لأصحابه متصفًا بصفات الكمال، ومن كمال منهجه التربوي اهتمامه بتربية الصغار وتعليمهم، وصبره عليهم وأخذه بأيديهم، حيث كان ﷺ يحرص أن يكون معلمًا ومؤدبًا لهم ليتحقق صلاحهم حينما يكبرون.
من اهتمامه ﷺ بالصغار ما ورد من توجيهه التدريجي في الصلاة حيث قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع" (١) . فبيَّن ﷺ أن الصلاة هي الأساس، وأمر بحثِّ الأبناء على إقامتها على الوجه المطلوب وإن في ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: "قال القاضي: يجب على ولي الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة إذا بلغ سبع سنين، ويأمره بها، ويؤدبه عليها إذا بلغ عشر سنين" (٢) .
لذا ينبغي للمربي أن يأمر الأطفال بالطاعات قبل بلوغهم سن الرشد؛ كي يستأنسوا لها ويعتادوها؛ فالطفل أسلس قيادًا، وأسرع مؤاتاة، ولم تغلب عليه عادة تمنعه من اتباع ما يراد منه، ولا له عزيمة تصرفه عما يؤمر به (٣) .
_________________
(١) سنن أبي داود – كتاب باب متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ رقمه (٤٩٥)، جـ١/٩٧.وقال عنه الشيخ الألباني (حسن صحيح)، انظر صحيح سنن أبي داود، جـ١/٩٧.
(٢) المغني جـ٢/٣٥٠.
(٣) انظر: جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب، ص٣٩.
[ ١٣ ]
فإذا اعتادوا هذه الطاعات سهل عليهم القيام بها إذا ما كبروا. قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي: "ويجب عليه أيضًا أن يعلمه ما يجب عليه علمه، أويقيم له مَنْ يعلمه ذلك" (١) .
كما كان ﷺ حريصًا على تعليمهم بعض مهارات الحياة التي تفيدهم في دنياهم فعن أبي سعيد ﵁: "أن النبي ﷺ مر بغلام وهو يسلخ شاة فقال له رسول الله ﷺ: "تنح حتى أريك" فأدخل يده بين الجلد واللحم، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى، فصلى للناس، ولم يتوضأ" (٢) .
والرسول ﷺ عطوف ورحيم في تعليمه للصغار معالجًا لأخطائهم بدون قسوة ولا تعنيف. ومن ذلك حينما جمعت لدى الرسول ﷺ الزكاة فأكل منها الحسن ﵁، فوجَّهه الرسول ﷺ بلطف، بأنه لا ينبغي له الأكل من الزكاة؛ وذلك لما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ: "كخ كخ" ليطرحها ثم قال: "أما شعرتَ أنَّا لا نأكل الصدقة" (٣) .
قال الحافظ ابن حجر: كلمة كخٍ كخٍ كلمة زجر للصبي عما يريد فِعْله (٤) .
_________________
(١) غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب، جـ١/٢٣٢.
(٢) صحيح سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس اللحم النيئ وغسله.. رقمه (١٨٥) جـ١/٣٧.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب ما يُذكر في صدقة النبي (، رقمه (١٤٩١)، جـ٢/١٦٤.
(٤) فتح الباري- جـ٦/١٨٥.
[ ١٤ ]
لذا يجب على الأولياء إبعاد أطفالهم عن المحرمات، ومنعهم من تعاطيها، ومعاتبتهم عليها، فرسول الله ﷺ أمر الحسن بطرح التمرة ورميها مِنْ فيه مع أنه طفل لا تلزمه الفرائض، ولم تَجْرِ عليه الأقلام.
قال الإمام النووي ﵀: "وفي الحديث أن الصبيان يُحَذّرون مما يحذر منه الكبار، وهذا واجب على الولي" (١) .
ولا ينسى رسول الله ﷺ أن يقرن توجيهه للصغار بالقول حينما يكون ذلك كافيًا في التوجيه والتعلم. ومن ذلك حينما رأى الرسول ﷺ عمر بن أبي سلمة وهو لا يحسن الأكل من الإناء، فوجَّهه توجيهًا لطيفًا إلى آداب الأكل. فعن عمر بن أبي سلمة ﵄ يقول: "كنت في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة (٢) فقال لي رسول الله ﷺ: "يا غلام، سَمِّ الله وكل بيمينك وكُلْ مما يليك" فما زالت طعمتي بعد (٣) (٤) .
فرسول الله ﷺ علَّم عمر بن أبي سلمة ﵁ آداب الأكل بالرغم من صغر سنه. ومما يدل على ذلك مخاطبة رسول الله ﷺ له بقوله: "يا غلام"، والغلام - كما بيَّن العلماء - هو الصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم (٥) .
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٧/١٧٥.
(٢) الصحفة: «ما تشبع خمسة ونحوها، وهي أكبر من القصعة» المرجع السابق، جـ٩/٥٢٢.
(٣) «فما زالت طعمتي بعد - أي صفة أكلي- فلزمت ذلك وصار عادة» والمراد جميع ما تقدم من الابتداء بالتسمية والأكل باليمين، والأكل مما يليهانظر فتح الباري جـ٩/٥٢٣.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة – باب التسمية علىالطعام والأكل باليمين، رقمه (٥٣٧٦)، جـ٦/٢٤١.
(٥) فتح الباري، جـ٩/٥٢١، وانظر عمدة القاري، جـ٢١/٢٩.
[ ١٥ ]
فعلى الأولياء والمعلمين الحرص على تعليم الأطفال ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، على أن يكون التعليم بالرفق واللين، حتى يتقبل الطفل من وليه، ويكون له الأثر العظيم في مستقبل حياته.
كما كان في تعليم رسول الله ﷺ لعمر بن أبي سلمة الأثر العظيم حيث قال ﵁: "فما زالت تلك طعمتي بعد أي: لزمت ذلك وصار عادة لي" (١) .
ومن اهتمامه ﷺ بتعليم الصغار: أنه ﷺ عندما سمع من البنت الأنصارية الصغيرة قولًا مخالفًا للشرع، بأن نَسَبت إليه أنه يعلم ما في الغد علَّمها ما ينبغي لها قوله، ومنعها من إعادة كلامها. فقد روت الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليّ (٢) فجلس على فراشي كمجلسك (٣) مني، فجعلت جويريات (٤) لنا يضربن بالدف (٥) ويندبن (٦) من قُتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: "وفينا نبيّ يعلم ما في غد".
قال: "دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين" (٧) .
_________________
(١) انظر: فتح الباري، جـ٩/٥٢٣.
(٢) (بُني علي) البناء: الدخول بالزوجة – فتح الباري، جـ٩/٢٠٣.
(٣) (كمجلسك) بكسر اللام أي مكانك، المرجع السابق جـ٩/٢٠٣.
(٤) (جويريات) جمع جويرية، ومصغر جارية، عمدة القاري، جـ٢٠/١٣٥.
(٥) (الدف) الأفصح في (الدف) ضم الدال، وقد تُفتح وهو الذي بوجه واحد عمدة القاري، جـ٢٠/٢١٣٥.
(٦) (يندبن) أي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه وتعديد محاسنه بالكرم والشجاعة ونحوها (فتح الباري، جـ٩/٢٠٣) .
(٧) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ضرب الدف في النكاح والوليمة، رقمه (٥١٤٧)، جـ٦/١٦٧.
[ ١٦ ]
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "إنما أنكر عليها ما ذُكر من الإطراء حيث أُطلق علم الغيب له، وهو صفة تختص بالله تعالى كما قال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] .
فعلى المعلمين والأولياء الحرص على تعليم الصغار الكلمات الصحيحة التي لا تتنافى مع التوحيد ولا تتعارض مع احترام الرسول ﷺ، وأن يمنعوهم إذا سمعوا منهم كلمات تخالف الشرع، مِنْ حلفٍ بغير الله، أو سب أو شتم أو غيبة أو نميمة أو تنابز بالألقاب (١) .
_________________
(١) انظر: الاحتساب على الأطفال، ص٤٥.
[ ١٧ ]