لم يغفل الرسول ﷺ عن الاهتمام بتعليم النساء أمور دينهن، بل كان حريصًا على توصيل الأحكام الشرعية إليهن وبخاصة ما يتعلق منها بالمرأة، وله في ذلك شواهد تؤكد اهتمامه وحرصه ﷺ على الاستجابة لأي سؤال أو استفسار يأتيه من النساء، حتى ولو كان في أدق خصوصياتهن. ومن ذلك ما ورد عن عائشة ﵂: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأخبرها كيف تغتسل. ثم قال: "خذي فرصة من مسك، فتطهري بها" قالت: وكيف أتطهر بها. ثم قال: "سبحان الله تطهري بها"، قالت عائشة ﵂: فجذبت المرأة وقلت: "تتبعين بها أثر الدم" (١) .
كما كان ﷺ يتفقد أحوال النساء، ويطمئن على صحتهن. فها هو رسول الله ﷺ يدخل على ضباعة بنت الزبير، ويسألها عن الحج، وهل تستطيع ذلك؟ فيشجعها بقوله ﷺ: "حجي واشترطي". فعن عائشة - ﵂ – قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: " لعلك أردت الحج" قالت: والله لا أجدني إلا وجعة (٢) فقال لها: "حجي واشترطي، قولي: اللهم محلِّي (٣) حيث حبستني (٤) " وكانت تحت المقداد بن الأسود (٥) .
_________________
(١) صحيح سنن النسائي – كتاب الطهارة، باب ذكر العمل في الغسل من الحيض رقمه (٢٤٥)، جـ١/٥٣.
(٢) وجعة: ذات مرض.
(٣) محلي: أي مكان تحللي من الإحرام.
(٤) حيث حبستني أي عن النسك بعلة المرض.
(٥) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقمه (٥٠٨٩) جـ٦ ص١٤٩، وصحيح مسلم – كتاب الحج، باب اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، رقمه (١٢٠٧) جـ٢/٨٦٧.
[ ١٠ ]
كما كان رسول الله ﷺ يعلم من أشكل عليها أمرًا، وأثار لديها تساؤلًا، حيث عَلَّم رسول الله ﷺ أم سلمة ﵂، حينما أشكل عليها صلاة النبي ﷺ بعد العصر لتعارضها ظاهرًا مع نهيه ﷺ. فعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ ينهى عنها ثم رأيته يصليها حين صلى العصر، ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه، قولي له: "تقول لك أم سلمة: يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين، وأراك تصليها". فإن أشار بيده فاستأخري عنه.
ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه. فلما انصرف، قال: "يا ابنة أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني أناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان" (١) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفيه الفحص عن الجمع بين المتعارضين (٢) فأم سلمة ﵂ استشكلت ما ظهر لها من خلاف بين قول النبي ﷺ وفعله، فأثار لديها تساؤلًا، أجاب عنه رسول الله ﷺ حتى لا يكون هناك مجال لظن".
فالطالب إذا أشكل عليه أمر فظهر له الخلاف بين القول والفعل أو الفعل والأمر، ينبغي له المسارعة بسؤال المعلم، فإنه بالسؤال يسلم من إرسال الظن السيئ بتعارض الأفعال والأقوال (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب السهو، باب إذا كُلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع. جزء من حديث رقمه (١٢٣٣)، جـ٢/٨٤.
(٢) فتح الباري، جـ٣/١٠٦.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ٦/١٢١.
[ ١١ ]
كما كان ﷺ حريصًا على تعليم من جهل منهن أمرًا من أمور الدين والرفق بهن، وعدم مؤاخذتهن. ومن ذلك ما ورد عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري".
قالت: "إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه". فقيل لها: إنه النبي ﷺ. فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين. فقالت: لم أعرفك.
فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى " (١) .
قال العلامة العيني ﵀: "فيه ما كان ﵊ من التواضع والرفق بالجاهل، وترك مؤاخذة المصاب، وقبول اعتذاره" (٢) . وكان لتعامل رسول الله ﷺ باللطف مع المرأة الأثر الكبير في نفسها. فهذا التعامل بالرفق واللين مع المرأة ولَّد لديها محبةً لرسول الله ﷺ ومهابة. ومما يؤيد ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: فلما ذهب النبي ﷺ قيل لها: "إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت. فأتت بابه الحديث" (٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح قول أنس بن مالك ﵁ "فأخذها مثل الموت" أي: من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه ﷺ؛ خجلًا منه ومهابة (٤) .
فحسن تعامل المعلم مع طلابه والرفق بهم، والأخذ بأيديهم يُوَلِّد لديهم
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، رقمه (١٢٨٣)، جـ٢/٩٩.
(٢) انظر: عمدة القاري، جـ٨/٦٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، رقمه (٩٢٦)، باختصار، جـ٢/٦٣٧.
(٤) فتح الباري، جـ٣/١٤٩.
[ ١٢ ]
محبة المعلم ومهابته، وحسن الاستماع إلى ما يأمر به. وهذا هو المطلوب في العملية التعليمية.
[ ١٣ ]