الأداء العملي النموذجي أمام المتعلمين أوقع في النفس وأثبت من القول (١)؛ لأنه يثبت في الذهن بصور أوسع، لذا اهتم الرسول ﷺ بهذه الوسيلة لما لها من أهمية في التعليم، وبخاصة في تعليم أصحابه الأمور العملية. ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:" هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء " (٢) .
فعلى المعلم أن يقرن القول بالفعل؛ لأنه أبلغ في إيصال رسالته إلى المتعلمين، فإذا امتزج القول بالتطبيق ساعد على ترسيخ المفاهيم في أذهان
_________________
(١) انظر: عمدة القاري جـ٤/١١٢.
(٢) صحيح سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا رقمه (١٣٥)، جـ١، ص٢٨.
[ ٤٧ ]
المتعلمين مما يساعد على سهولة تطبيقهم لما تعلموه. ومما يؤيد ذلك ما ذكره العلامة ابن أبي جمرة الأندلسي بقوله: "الاستدلال بالأعمال أولى من الاستدلال بالمقال، لأن المقال قد يحتمل التجوز في الكلام وغيره والفعل ليس كذلك " (١) .
وبهذا يتضح أن الرسول ﷺ قد استخدم العديد من الوسائل التي تساعدنا على زيادة الفهم أو تؤكد المعاني، وتجسِّد المعلومات المجردة. وهذا هو بالفعل ما تقدمه الوسائل التعليمية الحديثة في عصرنا الحاضر، حيث إنها ومن خلال الاستخدام الجيد لها تساعد على استثارة اهتمام الطلاب، وإشباع حاجتهم للتعلم، كما أنها تساعد على زيادة خبرة المتعلمين وتجعلهم أكثر استعدادًا للتعلم وإقبالًا عليه، هذا خلاف تنويع الخبرات والمساعدة في تكوين المفاهيم السليمة وبنائها، وتنويع أساليب التعزيز، مما يؤدي إلى تثبيت الاستجابات الصحيحة، وتأكيد التعلم، كما أن استخدام الوسائل التعليمية يؤدي إلى تعديل السلوك وتكوين الاتجاهات الحديثة (٢) .
ولابد من تأكيد أن المعلمين أثناء استخدامهم للوسائل التعليمية التي تعتمد على التقنية الحديثة أو غيرها يجب أن يراعوا في ذلك أن تكون منضبطة بأحكام الشرع، فلا يُستخدم إلا المشروع منها وليبتعد عما سواها.
_________________
(١) بهجة النفوس جـ١/١٣٤.
(٢) انظر: وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم، ص٤٤-٤٨.
[ ٤٨ ]