المسألة الأولى: اهتمام رسول الله ﷺ بالتعليم.
لم يُعرف دين رفع قَدْرَ العلم، واحترم العلماء واهتم بطلب العلم، مثل الدين الإسلامي قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] .
ولقد رغب رسول الله ﷺ في العلم وبَيَّن أنه طريق الجنة، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة" (١) . ولم يرغَّب ﷺ أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم التي أنعم الله بها على عباده إلا على نعمتين إحداهما: طلب العلم والعمل به، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (٢) (٣) .
ومن المؤكد أن ما ورد عن النبي ﷺ في الحث على التعليم لم يرد على سبيل الإشارة العابرة هنا وهناك بدون امتداد وإثراء للفكرة ذاتها. فالقدر الكبير من أقوال الرسول ﷺ التي تحض على طلب العلم والاستمرار فيه تؤكد
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن رقمه (٢٦٩٩) جـ٤ ص (٢٦٩٩) .
(٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة رقمه (٧٣) جـ١ ص٣٠، صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه رقمه (٨١٦) جـ١ ص٥٥٨ واللفظ له.
(٣) انظر كتاب العلم ص١٨.
[ ٣ ]
أن الاهتمام بالتعليم كان فكرة أصيلة ضمن إطار فكري عام (١) .
ولهذا فالإنسان المسلم في حاجة ماسة إلى العلم الذي ينمي الإيمان، ويغرس الفضائل، ويفقهه في دينه، فيحصل على الخيرية التي قال النبي ﷺ فيها: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٢)، فيعبد ربه على بصيرة، فإذا تعلم وتفقه في أمور دينه ودنياه، وعلَّمه غيره ورغبهم في العلم، وبيَّن لهم أن مجالسه تحفها الملائكة، وتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في الملأ الأعلى (٣) مقتديًا في ذلك برسول الله ﷺ الذي رغَّب في العلم، وحرص على تعليم المسلمين أمور دينهم سواء كانوا رجالًا أو نساءً أو أطفالًا.
وكان ﷺ أرفق الناس بالمتعلمين، وأبعدهم عن التشديد والتعسير والفظاظة والغلظة، وهذا ما نوَّه به القرآن الكريم عند الإشارة إلى أخلاقه ﷺ، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) .
وقد طبق رسول الله ﷺ ما عَلَّمه الله تعالى قولًا وفعلًا وأمر أصحابه
_________________
(١) رسالة الخليج العربي، العدد (٤٧) نظرية التربية المستمرة وتطبيقاتها في التربية الإسلامية، نور الدين محمد عبد الجواد، ص٣٠.
(٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا رقمه (٧١) جـ١ ص٣٠، انظر صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة رقمه (١٠٣٧)، جـ٢، ص ٧١٨.
(٣) انظر: كتاب الرسول والعلم ص١٠.
(٤) انظر: المرجع السابق ١١٩.
[ ٤ ]
﵃ بذلك، فعندما أرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري ﵄ إلى اليمن معلمين وقضاة قال لهما: "يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وَبَشِّروا ولا تُنَفِّروا" (١) .
ولهذا ينبغي للمعلمين الاقتداء برسول الله ﷺ في فعله وقوله بالرفق بطلابهم والصبر عليهم، وعدم تعنيفهم، كما قال الماوردي ﵀: "ألا يعنفوا متعلمًا، ولا يحقروا ناشئًا، ولا يستصغروا مبتدئًا، فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحث على الرغبة فيما لديهم" (٢) .
ولم يكن رسول الله ﷺ يخص فئة دون أخرى بالتعليم أو يتابع مجموعة دون غيرها، بل كان حرصه على التعليم ممتدًا ليشمل الصغار والكبار، والنساء والرجال، متابعًا لأمورهم، حريصًا على إرشادهم وتعليمهم بالقول والفعل والقدوة.
ولتقديم توضيح لاهتمامه ﷺ بالجميع دون استثناء نتناول كيفية اهتمامه ﷺ بتعليم الرجال، والنساء، وكذلك الأطفال.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا رقمه (٦٩) جـ١ ص٣٠، واللفظ له. انظر صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير رقمه (١٧٣٢) . جـ٣ ص١٣٥٨.
(٢) فيض القدير جـ٤/٣٣٨
[ ٥ ]