المبحث الأول: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الدينية (المنهج الدعوي)
والحديث في هذا المبحث يقتصر على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: في المراحل الدعوية
الأمر الثاني: التركيز على الجانب العقدي.
الأمر الثالث: أن السيرة النبوية مصدر معين لمن يريد التبحر في علوم الشريعة.
[ ١١ ]
الأمر الأول: في المراحل الدعوية
تعدُّ السيرة النبوية لب الإسلام وروحه، وتجسيدًا حيًّا لجميع تعاليم الإسلام، فلا يستغني عن النظر فيها أي عالم أو طالب علم، فهي دوحة عظيمة فيها كل الثمار اليانعة، كلُّ يقطف منها ما يناسبه، وكيف لا تكون كذلك وهي ربانية المصدر ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٧٠] .
فلو أمعن الإنسان النظر في السيرة النبوية لوجدها من الناحية الدينية كاملة المنهج، وأقصد بذلك المنهج الدعوي الذي سار عليه ﷺ في مكة، فقد وضع ﷺ أسسًا لهذا المنهج يتمثل فيما يلي:
١-دعوة الأقارب من زوجة وأبناء، ومن وضعهم الله تحت يده بادئ ذي بدء؛ ولذلك نجد أن الرسول ﷺ عندما نزل عليه الوحي وأمر بتبليغه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] .
بدأ بأهل بيته، فأسلمت خديجة رضوان الله عليها، بل كانت أول النساء إسلامًا على الإطلاق.
ثم أسلم من الصبيان عليّ ﵁، ثم من الموالي زيد بن حارثة ﵁.
وهذا هو المنهج السليم؛ لأنّ الله ﷾ يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]، وقوله سبحانه ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
[ ١٢ ]
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦] .
وقوله ﵊: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (١) .
فإذا أصلح الإنسان من نفسه وأهل بيته انتقل إلى المرحلة التالية وهي:
٢- إنذار العشيرة، كما قال جل شأنه لنبيِّه ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
فنهض النبي ﷺ وصعد ﷺ على الصفا مناديًا: "يا بني فهر، يا بني عدي " الحديث (٢) .
فهذا التدرج في مراحل الدعوة منطقي جدًّا يجب الوقوف عنده، وقد استمر ﷺ في دعوته لقريش ولم يخرج منها إلى أي بلد حتى أكمل عشر سنين، مواصلًا دعوته لهذا الدين القوي دون كَلَل أو ملل. بعد ذلك انتقل إلى قبيلة أخرى تعد من أقرب القبائل العربية لقريش نسبًا وصهرًا (٣) وجوارًا، إنها
_________________
(١) صحيح البخاري، رقم (٨٩٣)، ومسلم رقم (١٨٢٩) .
(٢) البخاري، رقم (٤٧٧٠)، ومسلم، رقم (٥٠٨) .
(٣) أما نسبًا، فإن كلًاّ من هوازن وقريش يلتقون في مضر، إذ إن هوازن الجد الأعلى لثقيف هو: هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. وأما قريش: فهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. انظر: جوامع السيرة لابن حزم ص (٤)، واللباب لابن الأثير (٣/١١٢) . وأما صهرًا، فقد تزوج النبي (ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية إحدى قبائل ثقيف، وكان العباس قد تزوج أختها لبابة الكبرى، وكذا الوليد بن المغيرة فقد تزوج أختها لبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية، وغيرهم. انظر: طبقات خليفة بن خياط ص (٤، ١٠، ٢٠)، وجمهرة أنساب العرب ص (٢٧٣،٢٧٠) .
[ ١٣ ]
قبيلة ثقيف في الطائف التي ضرب الرسول ﷺ في دعوتهم أروع الأمثلة لبذل الجهد وتحمّل الأذى كما سيأتي.
٣- بذل الجهد وتحمل الأذى والصبر عليه.
انتقل النبي ﷺ إلى ثقيف بالطائف بعد أن مكث في أهل مكة عشر سنين يدعوهم إلى الله ﷿ إلا أن دعوته ﵊ قوبلت برفض شديد من أهل الطائف، فأصابه ﷺ من الهم والغم ما لا يعلمه إلا الله جراء رفضهم لدعوته ﷺ.
٤- لما استقر النبي ﷺ في المدينة وبعد أن فرض الجهاد بدأ ﵊ يرسل السرايا والبعوث إلى القبائل العربية لنشر الإسلام تارة، ويخرج هوبنفسه الشريفة ﷺ تارة أخرى، فلم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى عمَّ الإسلام الجزيرة العربية كافة، بل وكان قد جهز جيشًا لغزو أطراف الشام قبيل وفاته ﵊ بقيادة أسامة بن زيد ﵁ تمهيدًا لفتح الشام والعراق، لكنه توفي ﷺ قبل إنفاذ هذا الجيش.
٥- ثم جاء أبو بكر الصديق ﵁ فأكمل المسيرة، وأنفذ جيش أسامة الذي عقد لواءه النبي ﷺ قبل وفاته، وذلك على الرغم من معارضة بعض الصحابة عندما أشاروا على أبي بكر بأن يمسك بعث أسامة؛ خشية أن تميل العرب بعد سماعهم بوفاة رسول الله ﷺ على المدينة، فقال قولته الشهيرة: "أنا أحبس جيشًا بعثهم رسول الله ﷺ؟ لقد اجترأتُ على أمر عظيم، والذي نفسي بيده لأن تميل عليّ العرب أحب إليّ أن أحبس جيشًا بعثهم
[ ١٤ ]
رسول الله ﷺ " (١) ثم أمضاه.
وما ذلك إلا لأن الإسلام دين عالمي ولا بد أن يَعُمَّ نفعه أرجاء المعمورة، قال جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] وقال النبي ﷺ: "إن الله ﷿ زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها " (٢) .
ولأنّه ﷺ خاتم النبيين، قال جل شأنه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] .
ولأنّ دينه ناسخ لجميع الأديان السماوية السابقة ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[آل عمران:٨٥] .
وهكذا وضعت السيرة النبوية منهجًا متكاملًا للمراحل الدعوية التي مرّ بها الرسول ﷺ، وانطلقت الجحافل الإسلامية تنشر الدين في ربوع المعمورة حتى بلغ أقاصي الدنيا شرقًا وغربًا، مما يؤكد عالمية هذا الدين الحنيف.
وهكذا وضع ﷺ منهجًا متكاملًا لمراحل الدعوة الإسلامية، فلم يُقَدِّم مرحلة على أخرى، وليس هذا من قبيل المصادفة، بل كان عملًا مقصودًا.
فالعاملون في المجال الدعوي لا يسعهم إلا الاقتداء بالنبي ﷺ في هذا المجال.
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي، قسم الخلافة الراشدة ص (٢٠)، وانظر إنفاذ أبي بكر لجيش أسامة: تاريخ الطبري (٣/٢٢٦) وما بعدها، والمنتظم لابن الجوزي (٤/٧٣) وما بعدها، والبداية والنهاية لابن كثير (٦/٣٠٤) وما بعدها.
(٢) مسند أحمد (٢٨/٣٣٩-٣٤٠)، رقم (١٧١١٥)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين.
[ ١٥ ]