[سياسته ﷺ في تكوين دولة الإسلام في المدينة]
كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل العربية في مواسم الحجّ وفي أسواقهم لحمايته حتى يبلغ دين الله الذي أمر بتبليغه وكان يقول لهم: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإنّ قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي" (١) وقوله ﵊ بسوق ذي المجاز: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" (٢) . ولم يطلب منهم شيئًا غير الحماية والنصرة حتى ينفذ كلام ربه ﷾.
ولكن العجب أنّ تلك الدعوة اللطيفة لم تلق آذانًا صاغية من جميع تلك القبائل؛ لأنّ الله لم يرد لها الخير حينئذ، حتى هيأ الله لها نفرًا من أهل المدينة قدموا مكة، فعرض عليهم الرسول ﷺ الإسلام فلم يبعدوا، ثم تتابعت اللقاءات حتى كانت بيعة العقبة الثانية التي بموجب شروطها هاجر الرسول الكريم ﷺ إلى المدينة.
ولما وصل الرسول ﷺ المدينة وجد فيها العزة والقوة والمنعة لكثرة من كان قد أسلم من أهلها من الأوس والخزرج (الأنصار) بالإضافة إلى أعداد المهاجرين، إلا أنه ﷺ وجد صعوبات في نشر الدعوة، منها القبائل اليهودية الثلاث قريظة والنضير وقينقاع، وكلها تدين باليهودية، ومنها القبائل المجاورة
_________________
(١) مسند أحمد (٢٣/٣٧٠)، رقم [١٥١٩٥]، وأبو داود، رقم [٣٤٦ـ ٣٤٧]، وسنده صحيح.
(٢) مسند أحمد (٢٥/٤٠٤) رقم [١٦٠٢٣]، وسنده صحيح لغيره كما قال المحقق.
[ ٣١ ]
للمدينة وكلها تدين بالوثنية إلا أفرادًا قلائل جدًّا دخلوا في الإسلام.
فهاتان مشكلتان تعيقان نشر الدعوة، ولا سيما مشكلة القبائل اليهودية التي عرف عنها المكر والخداع وقتل الأنبياء، بالإضافة إلى قوتها الاقتصادية والعسكرية، وتحالفاتها مع بعض القبائل العربية مما قد يسبب في حال مواجهتها عسكريًّا عدم تمكين الرسول ﷺ من الاستمرار في نشر دعوته، فما كان منه ﷺ إلا أن وضع التدابير الكفيلة لحماية الدعوة الإسلامية الناشئة.
وقد كان على النبي ﷺ أن يجعل المدينة -مقر الدعوة الإسلامية- آمنة، حتى يتفرغ لقريش أعتى قبائل العرب في زمانها، والتي تعد الحاجز الأقوى في وجه الدعوة الإسلامية، فبدأ ﷺ بموادعة القبائل المجاورة للمدينة والتي كان معظمها يدين بالشرك وهواها مع قريش، إلا أنه ﷺ قطع الطريق بينها وبين قريش عن طريق الموادعة التي تمت مع بعض القبائل وبخاصة القبائل الواقعة على الطريق التجاري لقريش المؤدية إلى الشام.
وقد تمت هذه المعاهدات بطرق عدة، لكن لا نجد تفصيلًا لبعض هذه المعاهدات، ولا سيما القديمة منها إلا ما جاء ذكره في سرية حمزة ﵁ التي أرسلها الرسول ﷺ في رمضان من السنة الأولى إلى سيف البحر في ثلاثين راكبًا ليعترضوا عيرًا لقريش، لكن حجز بين الفريقين مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفًا للفريقين (١) .
فهذا يدل على أنّ هذا الحلف قد تمّ في فترة مبكرة، قبل خروج حمزة ﵁،
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية لابن إسحاق (ابن هشام) (١/٥٩٥)، بدون إسناد، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/٦) بدون إسناد أيضًا.
[ ٣٢ ]
ومما يدل على قدم تلك المعاهدات مجيء وفد جهينة إلى النبي ﷺ بعد مقدمه المدينة يطلبون منه أن يوثق لهم حتى يأمنهم ويأمنوه (١) .
وذكر ابن سعد أن رسول الله ﷺ كتب لبني زُرْعة وبني الرَّبْعة من جهينة أنّهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، وأنّ لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم إلاّ في الدين والأهل، ولأهل باديتهم مَن بَرّ منهم واتقى ما لحاضرتهم، والله المستعان (٢) .
ولكن لم تحدد الرواية تاريخ هذه الوثيقة هل كانت بعد الهجرة مباشرة أو لا؟!
وخرج النبي ﷺ في غزوة الأبواء (٣)، وفيها وادع مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه على ألا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثروا عليه جمعًا ولا يعينوا عدوًّا، وكتب بينهم وبينه كتابًا (٤) .
ووادع ﷺ بني مدلج في غزوة ذي العشيرة التي كانت في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا من مهاجره ﷺ (٥) .
وبعض هذه المعاهدات كانت في فترة مبكرة وبعضها كان متأخرًا (٦)،
_________________
(١) انظر: مسند الإمام أحمد (٣/١١٨)، رقم (١٥٣٩) وفي سنده ضعف كما قال المحقق.
(٢) الطبقات الكبرى (١/٢٧٠) بدون إسناد.
(٣) غزوة الأبواء: كانت في شهر صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مهاجره (، انظر تفاصيلها في ابن إسحاق (ابن هشام) (١/٥٦١)، والطبقات الكبرى (٢/٨)، وتاريخ الطبري (٢/٤٠٧) .
(٤) المصادر السابقة.
(٥) انظر تفاصيل هذه الغزوة في: سيرة ابن إسحاق (ابن هشام) (١/٥٩٨)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/٩-١٠) .
(٦) انظر في ذلك: الطبقات الكبرى لابن سعد (١/٢٦٤-٢٩٠) فهناك كتابات ومعاهدات كثيرة.
[ ٣٣ ]
لكنها تدل على اهتمام النبي ﷺ بالجانب الأمني لنجاح واستمرار الدعوة الإسلامية، والحق أن كل هذه المعاهدات تهدف إلى أن يأمن تلك القبائل المجاورة للمدينة ليتفرغ ﷺ لقريش واليهود الذين نقضوا العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين النبي ﷺ تدريجيًّا، والمهم أنه ﷺ استطاع أن يحل مشكلة القبائل المجاورة التي لا شك أنّها كانت له ﷺ هاجسًا له شأنه.
ثم سارع الرسول ﷺ إلى حل المشكلة الثانية التي تمثل عائقًا كبيرًا في قيام الدولة الإسلامية، وهي مشكلة القبائل اليهودية التي كانت تسكن المدينة إبان هجرته ﷺ وقد كانت تتبوأ مركزًا مرموقًا في المدينة بسبب ما كانوا عليه من كثرة العدد، وسعة الثروة، والمهارة الزراعية والصناعية والتجارية، ثم بسبب ما كان لهم من مكانة دينية وعلمية مستمدة من كونهم أصحاب كتاب سماوي، وكونهم ذوي صلة بالأنبياء والأمم الغابرة (١) .
ولعلم النبي ﷺ السابق بغدر يهود وخبثهم ومكرهم، سارع ﷺ إلى إيجاد طريقة وحلّ أمثل تجعل من الطرفين المسلمين واليهود يعيشان في أمن وسلام، هذا الحل تمثل في المعاهدة أو [الوثيقة] (٢) التي كتبها ﷺ بين المسلمين من جهة وبين اليهود من جهة أخرى.
_________________
(١) انظر: سيرة الرسول (صورة مقتبسة من القرآن الكريم، محمد عزة دروزة (٢/١٢٢) .
(٢) انظر في صحة هذه الوثيقة من عدمها: السيرة النبوية الصحيحة، لأكرم ضياء العمري (١/٢٧٢-٢٧٥)، وصحيفة المدينة دراسة حديثية، تحقيق، هارون رشيد محمد إسحاق، وهي رسالة ماجستير من جامعة الملك سعود، بإشراف الدكتور: مصطفى الأعظمي، وبيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة- وثيقة المدينة، لضيدان اليامي، وهي رسالة صغيرة لطيفة قيمة على صغر حجمها، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية من ص (٣٠٦-٣١٣) لمهدي رزق الله أحمد.
[ ٣٤ ]
وقد اشتملت بنود هذه الوثيقة على كثير من الأمور يهمنا هنا الأمور المتعلقة بالناحية الأمنية التي منها:
٤٧ـ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ (١) .
٣٩ـ وإن يثرب حرام جوفها لأهل الصحيفة.
٤٤ـ وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
٤٣ـ وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٢ـ وإن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإنَّ مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة (٢) .
فهذه البنود الخمسة من أهم البنود التي تحدثت عن الأمن والأمان لأهل المدينة جميعًا مسلمهم وكافرهم.
فقد نصت الوثيقة على أنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
ومعنى هذا منع الحروب والقتال بين القبائل والعشائر، وتثبيت السلم في المدينة، وبذلك وضعت حدًّا لأقوى عامل في خلق القلق والاضطراب وما يجره من أمور (٣) .
_________________
(١) أرقام البنود نقلتها من كتاب: السيرة النبوية الصحيحة، للدكتور أكرم العمري (٢/٢٨٢-٢٨٥)، أما ما يتعلق بالتقديم والتأخير في أرقام البنود فبحسب الأهمية.
(٢) المصدر السابق.
(٣) دولة الرسول (في المدينة – دراسة في تكوينها وتنظيمها-د. صالح أحمد العلي ص (١١٤) .
[ ٣٥ ]
ونص البند رقم (٤٣) على قطع السبيل على قريش أن تستفيد من المدينة أو من أحد سكانها، حيث حظر على من سكن في المدينة أو يؤوي أحدًا من مشركي قريش (١) .
ونصت بعض الفقرات في البند ذي الرقم (٤٧) والبند ذي الرقم (٤٢) أن مرد الشجار والتنازع إلى الله ورسوله محمد ﷺ.
ويفهم من هذا -تصريحًا أو تلميحًا- أن النبي ﷺ قد صار بيده زمام الأمور في المدينة، وتولى تصريف شؤونها الداخلية والخارجية.
فما من خلاف يحصل من أي قبيلة أو شجار يقع إلا ويرجع فيه إلى رسول الله ﷺ (٢) .
ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ لم يعدَّ اليهود أمة واحدة، بل اعتبر كل قبيلة من قبائلها لا علاقة لها بالأخرى، وفي المقابل جعل المسلمين كلهم مهاجرهم وأنصاريهم أمة واحدة وطرفًا واحدًا (٣) .
وبذلك استطاع الرسول ﷺ معاقبة كل قبيلة على حِدَة في نقضها للعهد أو قيامها بأعمال مخلة بالأمن (٤) .
ففي هذا تحقيق لمبدأ العدالة، فحتى لا تؤاخذ قبيلة محافظة على العهد بجريرة قبيلة أخرى نقضت العهد، وهذا ما تم بالفعل، فلم يتعرض الرسول ﷺ لقبيلة بني النضير أو قريظة حال نقض بني قينقاع عهدهم لبقائهما على
_________________
(١) النظام السياسي في الإسلام، محمد عبد القادر أبو فارس ص (١٣٩) .
(٢) النظام السياسي في الإسلام، محمد عبد القادر أبو فارس ص (١٣٩) .
(٣) المصدر السابق بتصرف.
(٤) النظام السياسي في الإسلام، محمد عبد القادر أبو فارس ص (١٤١) بتصرف.
[ ٣٦ ]
عهدهما، ولم يتعرض لقبيلة بني قريظة حال نقض بني النضير عهدهم لبقائهم على عهدهم.
فطبَّق الرسول ﷺ مبدأ العدالة من جهة، ومن جهة أخرى يدل هذا العمل على الحنكة السياسية التي كان يتمتع بها النبي ﷺ.
وبهذا اطمأنَّ النبي ﷺ على الوضع الأمني للمدينة من هجوم القبائل المجاورة لها، ومن فتنة اليهود المتوقعة وإثارتها للفتن والاضطرابات بين أفراد المجتمع المدني، ثم استطاع بعد ذلك وفي فترة وجيزة مواجهة قريش خاصة والتفرغ لها لإنهاكها اقتصاديًّا، فما من قافلة ذاهبة أو قادمة من الشام إلا وتعرض لها بإرسال السرايا أو الخروج إليها بنفسه ﷺ، ولم يكتف بذلك، بل تعدى خطر المسلمين على تجارة قريش بإرسال السرايا لقوافلها المتجهة إلى الطائف أو القادمة منه مما سبب إزعاجًا كبيرًا لقريش، حتى كانت غزوة بدر التي كسرت فيها شوكة قريش لأول مرة وفي أول لقاء بين المسلمين والكفار، وفيها دَوَّى انتصار المسلمين في جميع أرجاء الجزيرة العربية، وقطع دابر القوم الذين كفروا والحمد لله ربِّ العالمين.
[ ٣٧ ]