المبحث الرابع: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاقتصادية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال.
المطلب الثاني: اهتمام النبي ﷺ بالنواحي الاقتصادية
[ ٣٨ ]
المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال
لا شك أن المال عصب الحياة كما يقال، وقد حث الإسلام على العمل والكسب الحلال، قال جل شأنه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ﴾ [الملك:١٥] .
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] .
وقال النبي ﷺ: "اليد العليا خير من اليد السفلى" (١) .
وبما أن الإنسان مأمور بالعمل فلا بد أن يكون كسبه حلالًا حتى يبارك الله له فيه، وإذا أراد الإنسان المسلم تنمية ماله، فلا بد أن يكون خالصًا من الشوائب المحرمة كالربا مثلًا، فإنّه ممحق البركة ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، ويقول ﷺ: "أيها الناس إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا" (٢) .
فالإسلام دين متكامل في كل شيء وليس للتواكل فيه مكان، فهو يحث على العمل في كل وقت إلى يوم القيامة، ومما يؤكد ذلك قوله ﵊: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة (٣)، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل" (٤)، وقال ﷺ: "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع
_________________
(١) البخاري، رقم (١٤٢٧)، وأحمد (٢٤/٤٢) رقم (١٥٣٢٦) تحقيق الأرناؤوط وآخرين.
(٢) صحيح مسلم حديث رقم (١٠١٥) .
(٣) الفسيلة: النخلة الصغيرة، القاموس المحيط للفيروزآبادي، مادة: فسل.
(٤) مسند أحمد (٢٠/٢٩٦) رقم الحديث (١٢٩٨١) تحقيق الأرناؤوط وآخرين، وسنده صحيح كما قال المحقق.
[ ٣٩ ]
زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (١) .
فهذه توجيهات نبوية وحث كريم للعمل على إعمار الأرض بالزرع حتى يأكل منه الإنسان والطير والحيوان، وإذا كان الإنسان قد أمر بالعمل وابتغاء الرزق، فإنّه قد أمر بالاقتصاد في ذلك، قال جل شأنه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] .
فعدم الإسراف في الشيء يُنمي الاقتصاد، وهو من الأمور المهمة التي عالجها الإسلام مبكرًا وهي نبراس لمن أراد العمل والكسب الحلال، وإذا أراد الإنسان المسلم أن ينفع نفسه وأمته فليأخذ بالتوجيهات الربانية في عدم الإسراف، وأيضًا عدم التقتير على حد قوله ﷾: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] .
ومما يجب التنبيه له أن الإسلام الذي يأمر بإحياء الأرض ينهى أيضًا عن الغلو في ذلك والإسراف فيه، فمن صرف همّه ووقته وجهده في البحث عن المال فحسب فهو غالٍ في عمله هذا، قال النبي ﷺ: "إذا تبايعتم بالعينة (٢)، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سَلَّط الله عليكم ذلًاّ لا ينزع حتى ترجعوا إلى دينكم" (٣) .
ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الحديث يحث على العمل، وفي الوقت نفسه يحذر من الإسراف فيه مع ترك الجهاد، لكن إذا كان هذا العمل يخدم المصالح الإسلامية من إعداد العدة للعدو، وإسعاد الآخرين فلا بأس.
_________________
(١) مسند أحمد (٢١/٨٨) رقم (١٣٣٨٩) تحقيق الأرناؤوط، وسنده صحيح.
(٢) العِينَة: أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. النهاية (٣/٣٣٣) .
(٣) أخرجه أبو داود في السنن رقم (٦٤٦٢) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (٢٩٥٦) .
[ ٤٠ ]