هو الرجل الثاني من رجال الطبقة الأولى من كتَّاب المغازي والسير، وأبوه الزبير بن العوام بن خويلد، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد المبشرين بالجنة، وهو حواري الرسول -ﷺ- وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وخديجة أم المؤمنين -﵂- عمته، أي عمة الزبير بن العوام، أما أم عروة فهي ذات النطاقين السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق -﵄- وخالته عائشة أم المؤمنين، وأحب أزواج النبي إليه، وقد ولد عروة في المدينة المنورة، حوالي سنة ٢٦هـ، على أرجح الأقوال، لأنه كان صغير السن عندما حدثت موقعة الجمل سنة ٣٦هـ، ولم يشهدها فقد قال هو في نفسه: "رُددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يوم الجمل، استصغرونا".
فالبيت الذي نشأ فيه عروة ركناه: أبوه الزبير بن العوام، حواري الرسول، وأمه ذات النطاقين، أسماء بنت الصديق، أما أستاذته الكبرى ومعلمته فهي خالته، السيدة عائشة أم المؤمنين، التي كان كثير التردد عليها، والمداومة على زيارتها والتعلم منها والحديث إليها.
[ ٢١ ]
وإذا كان عروة قد شهد -وهو صبي في العاشرة من عمره تقريبًا- الفتنة الكبرى التي حلت بالمسلمين وزلزلت كيانهم، في الشطر الثاني من خلافة عثمان بن عفان سنة ٣٠- ٣٥هـ -والتي استغرقت عهد علي بن أبي طالب كله ٣٥-٤٠هـ، فإن الله ﷾ قد تدارك الأمة الإسلامية برحمته، ووحد كلمتها في عام ٤١هـ وهو العام الذي سماه المسلمون عام الجماعة -بعد الفتنة والفرقة- حينما تنازل الحسن بن علي -﵄- عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان -﵄- إيثارًا لمصلحة الأمة، وحقنًا لدماء المسلمين، مصدقًا بذلك نبوءة جده -﵊- حيث قال عنه: "ابني هذا سيد -يقصد الحسن- ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"١.
ولقد استفتح معاوية -﵁- عهده بالإحسان إلى أهل المدينة بصفة عامة، وإلى الصحابة وأبنائهم بصفة خاصة، وأغدق عليهم من الأموال ما أتاح لهم التفرغ للعلم والتعليم، فزخر مسجد الرسول -ﷺ- بأعداد هائلة من الفقهاء والمحدثين والمفسرين وأصحاب السير والمغازي، وكان عروة بن الزبير، فارسًا من فرسان هذه الحلقات وأبرز رجالها.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري جـ٤ ص٢١٦.
[ ٢٢ ]
فتروي المصادر وكتب الطبقات، أنه كان يجتمع كل ليلة، بطريقة تكاد تكون منتظمة في المسجد النبوي، بمجموعة من كبار التابعين ومن رجال الطبقة الأولى منهم، كانت تضم أخاه مصعب بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن بن مسور، وإبراهيم بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي، ولم تكن هذه الاجتماعات سوى حلقات علمية، يدور الحديث فيها عن العلوم الإسلامية؛ من فقه وتفسير وحديث وسير ومغازٍ، وكما اشتهر عروة بن الزبير بأنه أحد فقهاء المدينة السبعة الكبار -كما هو الحال بالنسبة لأبان بن عثمان -فقد اشتهر بأنه من أكابر علماء السيرة والمغازي، وكان الناس -حتى زملاؤه في الدراسة- يتجهون إليه، ليسألوه ويتعلموا منه السيرة النبوية بصفة خاصة، لقربه من بيت النبي، ولمعرفته أكثر من غيره بما كان يدور في ذلك البيت الكريم عن طريق خالته السيدة عائشة -﵂- فعبد الملك بن مروان -الخليفة الأموي المشهور ٦٥- ٨٦هـ مع أنه كان أحد تلاميذ مدرسة المدينة المشهورين ومن فقهائها، وقد لقب بحمامة المسجد؛ لشدة ملازمته مسجد الرسول -ﷺ- وانكبابه على حلقات العلم، وهو من زملاء عروة وأصدقائه، إلا أنه كان كثير الرجوع إليه في كل ما يتعلق بأحداث السيرة النبوية، وذلك
[ ٢٣ ]
عندما شغلته السياسة عن طلب العلم بعد أن أصبح خليفة، ويبدو أن عروة قد ألف كتبًا كثيرة في السيرة وغيرها، فهناك خبر جدير بالتنويه، يرويه ابن سعد١، عن هشام بن عروة أن أباه أَحرقَ يوم الحرة -يقصد يوم وقعة الحرة المشهورة بين ثوار المدينة وجيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان سنة ٦٣هـ- عدة كتب، وقد حزن كثيرًا على فقدها فيما بعد، فهذا الخبر يدل على انتشار الكتابة والتأليف في ذلك الوقت المبكر من عهد المسلمين بالتأليف والتدوين العلمي.
وإذا كانت مؤلفات عروة بن الزبير لم تصل إلينا، فقد حفظت لنا المصادر الباقية لدينا، الكثير من المادة العلمية والروايات التي كان مصدرها عروة، ففي سيرة ابن إسحاق ومغازي الواقدي وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري روايات كثيرة عن أحداث سيرة الرسول -ﷺ- ومغازيه عن عروة بن الزبير، وقد توفي رحمه الله تعالى سنة ٩٤هـ٢.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى جـ٥ ص١٣٣. ٢ انظر ترجمة عروة في المصدر السابق جـ٥ ص ١٧٨- ١٨٢.
[ ٢٤ ]