واللفظ والمعنى متصلان اتصالا وثيقا إلا أنه لا يمكن للمعنى الثبات مع اهتزاز لفظه أو تغييره في الكلام المعجز إذ أول أوجه إعجازه تتمثل في إعجازه في لفظه كما لخص الخطابي- رحمه الله تعالى- أركان إعجاز القران في: «اللفظ الحامل،
_________________
(١) ابن كثير (٢/ ٧٩)، مرجع سابق.
(٢) ابن كثير (٢/ ١٥٧)، مرجع سابق.
(٣) أحمد (٥/ ٣٦٨)، وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٥٦)، مرجع سابق: «وهذا إسناد صحيح» .
(٤) مقدمة في أصول التفسير (ص ٢٠٨) .
[ ٢٠ ]
المعنى القائم به، الرباط الناظم لهما» «١»، ولأن إعجاز القران يعتمد على حقيقة واحدة هي أن الله ﷾ قاله، كان لا بد من بلوغ أقصى درجات الإبانة اللفظية في كلام الله ﷻ تمهيدا للإبانة المعنوية؛ ولذا يظهر الاهتمام بألفاظ القران واضحا في القران، ومن ذلك قول الله ﷿: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ «أي البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ؛ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى إِنَّا جَعَلْناهُ أي أنزلناه قُرْآنًا عَرَبِيًّا أي بلغة العرب فصيحا واضحا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تفهمونه وتتدبرونه كما قال ﷿: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» «٢» .
وصار الطلب الشرعي لضبط ألفاظ القران الكريم استحضارا واستظهارا وإتقانا للأداء بديهية شرعية في حياة الصحابة ﵃، كما كان تعظيمه، وصونه باستظهار ألفاظه، والعمل على نشره كتابة وحفظا وتعليما من أبرز مقاصد التنزيل الحكيم: أي ليعظم عندهم بألفاظه، فيحافظ عليها، ويتبع معانيها: كما في قوله ﷾: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (الزخرف: ٤) ف «بين شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض » «٣» وكما قال ﵎: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) (الواقعة: ٧٧- ٨٠) وقال تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (عبس: ١١- ١٦) فإذا كانت «الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القران في الملأ
_________________
(١) بيان إعجاز القران (ص ٢٦) .
(٢) ابن كثير (٤/ ١٢٣)، مرجع سابق.
(٣) ابن كثير (٤/ ١٢٣)، مرجع سابق.
[ ٢١ ]
الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى لأنه نزل عليهم وخطابه متوجه إليهم فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم لقوله ﷻ:
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (الزخرف: ٤)» «١» .
وبايات الله التي تبلغ البحار، وما وراء البحار كان مستمسك العارفين
ولها كان تعظيم السادات من المؤمنين يعظمون ايات الله وهي حبل النجاة في يوم الهول المبين:
قرت بها عين قاريها فقلت له لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفة من حر نار لظى أطفأت نار لظى من وردها الشبم
كأنها الحوض تبيض الوجوه به من العصاة وقد جاؤه كالحمم
وكالصراط وكالميزان معدلة فالقسط من غيرها في الناس لم يقم