وبمناسبة أنهم كانوا ﵃ يجعلون التلقي عمدة أدلتهم في إثبات القراءة، فإن البحث يشير إلى أن سيد القراء أبيّ بن كعب ﵁ كان يحتج بذلك، ولكن القراات الثابتة عنه قرائيا بل وفي كثير من روايات الحديث الثابتة لم تخرج عن القراات المتناقلة إلى اليوم إلا أن تكون تفسيرا فأما قرائيا: فإن معظم أسانيد القراء العشرة ترجع إليه ﵁.
وأما حديثيا فالأمثلة السابقة توضح رجوع ما نسب إليه إلى القراات المتناقلة إلى اليوم، ومن الروايات الحديثية ما جاء عن ابن عباس قال: أقرأني أبي ابن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (الكهف: ٨٦) مخففة «٣»، وهذا المثال جد حسن؛ إذ يوضح أن قراءة أبي التي يستغربها عمر إنما هي إحدى قراات من الأحرف السبعة، ولا تخرج عن ذلك، ومثاله أيضا في قراءة أبي ما جاء في قوله ﷺ له: «أمرت أن أقرأ عليك القران» قال فقلت: وسماني لك
_________________
(١) الحاكم (٢/ ٢٤٥)، مرجع سابق، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ورواه الضياء في المختارة (٣/ ٤١٥) .
(٢) الحاكم (٣/ ٣٤٥)، مرجع سابق.
(٣) النسائي في الكبرى (٤/ ٣٤)، مرجع سابق.
[ ١٠٨ ]
ربك؟ قال: «نعم» قال: فقرأ علي فقال أبي قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٨) «١» قرأها بالتاء (فلتفرحوا) .. «٢» .،
وهذه الأمثلة تدل على عدم خروج قراءة أبي عن المتناقل من القراات ومن احتج ببعض ما ذكر عنه من قراات مخالفة يقال له عمدتنا: هو التلقي الذي جعله أبي عمدته أيضا، ومنهج إثبات قرانية أو قرائية قراءة غير منهج إثبات حديث، على أن أبيا لم يثبت عنه حديثيا إلا ما وافق القراات المتناقلة، أو ما كان تفسيرا ظاهرا وقد ينسبه إلى القران تجوزا على أنه المراد من الاية، أو لأنه سمع فيه شيئا عن رسول الله ﷺ.