بعد أن استقر أن وظيفة النبي ﷺ هي (البلاغ)، وعلمت مادته فيجب معرفة ماهيته؛ وسر اختيار هذا المصطلح للدلالة عليه.
فأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول من بلغ يبلغ بلوغا «٢»، وتظهر من مفاهيم البلاغ الدلالات التالية:
١- أنه يجب وصول المبلّغ به ليتم البلاغ:
فعدم وصوله نقص في التبليغ، إذ بلغ الشيء يبلغ بلوغا وبلاغا: وصل وانتهى، والبلاغ: ما بلغك، وفي التنزيل العزيز: إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ
_________________
(١) ابن كثير (٤/ ١٢٣)، مرجع سابق.
(٢) تفسير القرطبي (٦/ ٣٢٧) .
[ ٢٢ ]
(الجن: ٢٣)، أي لا أحد منجى إلا أن أبلّغ عن الله ما أرسلت به، والإبلاغ:
الإيصال، وكذلك التّبليغ، والاسم منه البلاغ «١»، وهذا يقتضي فعل الوسائل القولية والعملية لإيصال المبلغ به.
٢- الكفاية بالمبلغ به كما في قوله ﷻ: إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (الأنبياء: ١٠٦)، وكما في قوله ﷾: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ (إبراهيم: ٥٢) والإشارة للقران الكريم كما في قوله ﷿: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ (العنكبوت: ٥١) والبلاغ هنا الكفاية «أي كفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة» «٢»؛ ومنه قول الراجز:
تزجّ من دنياك بالبلاغ وباكر المعدة بالدّباغ
«٣» ويظهر من هذه الايات أن المادة الأساسية للتبليغ هو القران الكريم.
٣- أن القران المبلغ به هو السبيل الوحيد الذي يوصل إلى مطلوب الإنسان من السعادة، فالبلاغ ما يتبلّغ ويتوصّل به إلى الشيء المطلوب «٤»، وتبلّغ بالشيء:
وصل به إلى مراده «٥» .
٤- الاجتهاد في أداء الرسالة فقولك: «أراه من المبالغين في التبليغ، بالغ يبالغ مبالغة وبلاغا إذا اجتهد في الأمر» «٦» .
_________________
(١) لسان العرب (٨/ ٤١٩) .
(٢) القرطبي (٦/ ٣٢٧)، مرجع سابق.
(٣) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٥٦) .
(٤) النهاية في غريب الأثر (١/ ١٥٢) .
(٥) انظر: لسان العرب (٨/ ٤١٩)، مرجع سابق.
(٦) لسان العرب (٨/ ٤١٩)، مرجع سابق.
[ ٢٣ ]
٥- ويدل الوصف الشخصي للنبي ﷺ ب (الرسول)، والوصف الوظيفي له ب (البلاغ) على المصدر الإلهي لتعلم الأنبياء، وذكر هذا والتأكيد عليه هو دأب كل نبي ورسول يقولون: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ (الأحقاف: ٢٣) أي لا أعلم من ذلك إلا ما علمني الله، وإنما أنا رسول إليكم من الله مبلغ أبلغكم عنه ما أرسلني به من الرسالة «١»، فهذا قول هود ﵇، ومثله قول النبي ﷺ قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (الكهف: ١١٠) «أي قل يا محمد إنما أنا بشر مثلكم من بني ادم لا علم لي إلا ما علمني الله» «٢» ومثله على لسان يوسف ﵇: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (يوسف: ٣٧)، وكان يبلغهم بالقران كمادة أساسية في منهاج التبليغ، فيحاولون إبعاده عن ذلك، وصرفه عنه فيقولون ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ (يونس: ١٥)، فيكون رده هو التأكيد على هذه المصدرية كما في قوله تعالى قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي (يونس: ١٥) «وإنما هو رسول مبلّغ، ومأمور متبّع» «٣» .
ونظرا لهذه المقتضيات يحاسب الرسل على ذلك كما في قوله ﷿: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ (الجن: ٢٨)، وكما في قوله ﷻ: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ (المائدة: ١١٧) .
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٦/ ٢٥) .
(٢) الطبري (١٦/ ٣٩)، مرجع سابق.
(٣) الطبري (١١/ ٩٥)، مرجع سابق.
[ ٢٤ ]