ومنه تلا إذا اتّبع «٣» فعلى قارئ القران يتبع في قراءته ما أنزله الله ﷿، كما كان النبي ﷺ يتبع ذلك إذا قرأه عليه جبريل ﵇، ويقال: كان يتلو كتاب الله؛ هو الذي يقرؤه ويعمل بما فيه، فيكون تابعا له، والقران يكون سائقا له وقائدا «٤»، ومنه (فإذا قرأناه فاتبع قرانه)، ويوضح ذلك قوله ﷻ: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ (البقرة: ٤٤) ففيه توبيخ عظيم لمن فهم، وتتلون تقرؤن الكتاب التوراة وكذا من فعل فعلهم وكان مثلهم، وفلان يتلو فلانا أي: يحكيه ويتبع فعله «٥»، واتباعه هنا يكون بامتثال الأمر والنهي، وروى سفيان الثوري في تفسيره عن أبي رزين في قوله ﷾: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ (البقرة: ١٢١) قال: «يتبعونه حق اتباعه، ويعملون به حق عمله»، وقال قتادة:
«هم أصحاب محمد ﷺ آمنوا بكتاب الله، وعملوا بما فيه» «٦» .
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ١٨١)، مرجع سابق.
(٢) مختار الصحاح (ص ٢٣)، لسان العرب (١٤/ ١٠٢) .
(٣) لسان العرب (١٤/ ١٠٢)، مرجع سابق.
(٤) انظر: (السخاوي) علم الدين علي بن محمد ت ٦٤٣ هـ: جمال القراء وكمال الإقراء (١/ ٩١)، مرجع سابق.
(٥) انظر: لسان العرب (١٤/ ١٠٤)، مرجع سابق.
(٦) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٥١٠)، مرجع سابق.
[ ٣٤ ]
وأما قول الله ﷿: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ (البقرة: ١٢١) فشامل للمعنيين «١»؛ إذ معناه يقرأونه حق قراءته ويعملون بما فيه فيتّبعونه حقّ اتّباعه «٢» كما قال الغزالي: «وتلاوة القران حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار، والائتمار. فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ» «٣» .
ثالثا: أن تكون القراءة في التلاوة على هيئة مغنّاة مخصوصة أي مرتلة ترتيلا مع التغني، ف «العرب تسمي المراسل في الغناء والعمل المتالي، والمتالي الذي يراسل المغنّي بصوت رفيع؛ قال الأخطل:
صلت الجبين كأنّ رجع صهيله زجر المحاول، أو غناء متال»
«٤» كما تظهر المحاكاة في التلاوة ومحاولة التقليد المقطعي والتنغيمي، ومنه قولهم:
فلان يتلو فلانا أي يحكيه ويتبع فعله «٥» .
_________________
(١) الصحيح أنه يجوز إرادة المعنيين بعبارة واحدة، وقد وضع الأصوليين بناء على ذلك أصولا، واستخرجوا للألفاظ دلالات، أشار المفسرون لذلك، وقد عقد الراغب الأصفهاني فصلا بعنوان: (فصل في جواز المعنيين المختلفين بعبارة واحدة) انظر: مقدمة التفسير (ص ٤٢٥) .
(٢) انظر: (السخاوي) علم الدين علي بن محمد ت ٦٤٣ هـ: جمال القراء وكمال الإقراء (١/ ٩١)، مرجع سابق.
(٣) (الغزالي) أبو حامد محمد بن محمد ت ٥٠٥ هـ: إحياء علوم الدين (١/ ٢٨٧)، دار المعرفة، بيروت.
(٤) لسان العرب (١٤/ ١٠٢)، مرجع سابق.
(٥) انظر: لسان العرب (١٠/ ١٠٤)، مرجع سابق.
[ ٣٥ ]