وقد علم النبي ﷺ أصحابه نطاق مهمته الرسالية، لما يترتب على ذلك من ضرورات منهجية ترجع إلى حفظ أصول الدين وقواعده، وتتلخص في عنصر واحد: أن يكونوا شهودا على ذلك في الدنيا والاخرة:
أما في الدنيا فحتى لا يفتري عليه أحد بكتمان، أو نقصان، ويعلم الثقلان أن ما بلغه هو الدين الكامل.
_________________
(١) هذه إشارات، ويستعان لمزيد من التحليل ب: المعجم المفهرس لمعاني القران العظيم (١/ ٢٢٥) .
[ ١٧ ]
وأما في الاخرة فحتى يشهدوا له عند الله ﷻ.
من أجل ذلك بين لهم ﷺ- غير ما تقدم- أن الله ﷿ أوجب عليه البلاغ لكل ما أوحى إليه من ربه ﷿، وإن لم يفعل فما قام بوظيفته التي أرسل من أجلها، كما قال ﷾: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (المائدة: ٦٧)، كما قال الزهري في فقه هذه الاية:
«من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم» «١»، فكل شيء سكت عنه ﷺ فهو مما لم يؤمر بتبليغه- إن كان ثم شيء يبلّغ-، وقد علم الصحابة ﵃ بأنه لو كان ثم شيء يستحق البلاغ لأمر بتبليغه فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ- قال إبراهيم: زاد أو نقص- فلمّا سلّم قيل له: يا رسول الله! أحدث في الصّلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا:
صلّيت كذا وكذا. قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثمّ سلّم، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: «إنّه لو حدث في الصّلاة شيء أنبأتكم به» «٢» .
استشهاده ﷺ الخلق على قيامه بالبلاغ: وقد شهّد أمته على إبلاغه الرسالة، واستنطقهم بذلك في أعظم المجامع، كما في خطبته في حجة الوداع، فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: «أيها الناس! إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: اللهم اشهد» «٣» .
_________________
(١) صحيح البخاري (٦/ ٢٧٣٨) .
(٢) البخاري (١/ ١٥٦)، مسلم (١/ ٤٠٠)، مرجعان سابقان.
(٣) وورد مثل ذلك عن أبي بكرة عند البخاري (١/ ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٣٠٥)، وعن ابن عباس عند البخاري (٢/ ٦١٩)، وقد جاء مثل ذلك أيضا عن عدد من الصحابة في أكثر من موطن.. انظر: الأصل.
[ ١٨ ]
وشهد له الصحابة ﵃ بكمال البلاغ في الدنيا: فمنعوا بذلك أوهام المتخرصين أن يكون فرّط أو كتم أو خص بعض الناس بشيء من البيان العام الواجب تبليغه عليه ﷺ، فعن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال له: إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله ﷾ قال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «١»، وعن مسروق عن عائشة قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب وهو يقول يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٢» .