وأما إقراؤه للمسلمين، فذلك دأبه ودينه، فكان يقرئ من استطاع من المسلمين بنفسه، وذلك ظاهر، وهو ما يشغل معظم يومه وليلته: فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في مسجده، فقال: «كلاهما على خير وأحدهما أفضل من صاحبه أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه فإن شاء أعطاهم وان شاء منعهم واما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل وإنما بعثت معلما» قال ثم جلس فيهم «١»، وقد سبق أن رأس التعليم الذي بعث له ﷺ تعليم القران الكريم، وصرح النبي ﷺ بذلك في قوله: «خيركم (وفي لفظ: إن أفضلكم) من تعلم القران وعلمه» «٢» والتعليم ليس إلا الإقراء كما ثبت في الرواية الاخرى «خيركم من قرأ القران وأقرأه» «٣» وكمثل تطبيقي على ذلك فإن سعد بن أبي وقاص روى أن رسول الله رسول الله ﷺ قال: «خياركم من تعلم القران، وعلم القران» ثم قال الراوي عن سعد: فأخذ بيدي وأقعدني هذا المقعد أقري «٤» .
وعن أنس ﵁ قال: أتى أبو طلحة أم سليم وهي أم أنس فقال: عندك يا أم سليم شىء؟ فإني مررت على رسول الله ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرا من الجوع الحديث «٥» .
_________________
(١) ابن ماجه (١/ ٨٣)، الدارمي (١/ ١١١)، مرجعان سابقان.
(٢) البخاري (٤/ ١٩١٩)، مرجع سابق.
(٣) الطبراني في الكبير (١٠/ ١٦١) عن ابن مسعود.
(٤) سنن سعيد بن منصور (١/ ١٠٢)، مرجع سابق، الدارمي (٢/ ٥٢٩)، مرجع سابق.
(٥) الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٦٧)، مرجع سابق.
[ ٥٦ ]
وقد كان جبريل ﵇ يقرئه الايات فيقرئ أصحابه من فوره ولئن سألوه عن المعنى لأحرى أن يستوثقوا من اللفظ قبل المعنى ومن ذلك ما ذكره أبو سعيد الخدري: لما نزلت وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (الفجر: ٢٣) تغير لون رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى أشتد على أصحابه ثم قال: أقرأني جبريل كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (الفجر: ٢١- ٢٣) .. «١» ..
وقد كان القراء والمقرئون أحب الناس إلى رسول الله ﷺ فقد سمع علي بن أبي طالب ﵁ ضجة في المسجد يقرؤون القران ويقرئونه فقال: طوبى لهؤلاء! هؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله ﷺ «٢» .