وفيما سبق ذكره يتضح لنا أن النبي ﷺ علمهم طرق تحمل القران الكريم عنه ﷺ «٢»، وأنهما طريقان لا غير: السماع من لفظ الشيخ أو السماع عليه بقراءة غيره، والعرض (القراءة) عليه، وعد أهل العلم من حكم قراءة النبي ﷺ على أبي أن يسنّ «عرض القران على حفاظه البارعين فيه المجيدين لأدائه، وليسن التواضع في أخذ الانسان القران وغيره من العلوم الشرعية من أهلها وإن كانوا دونه في النسب والدين والفضيلة والمرتبة والشهرة وغير ذلك» «٣» .
وما بقي من الطرق المعروفة عند المحدثين من مناولة وإجازة (بالمعنى الحديثي) ونحوها «٤» .
«فلا مكان لها في تحمل القران الكريم» «٥»، كما قال الناظم:
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٧٠)، مرجع سابق، وقال: «إسنادها ليس بالقائم»، وهذه سنة أئمة الإقراء فقد قال ابن مجاهد- مثلا-: «فأما قراءة نافع بن أبي نعيم فإني قرأت بها على عبد الرحمن بن عبدوس من أول القران إلى خاتمته نحوا من عشرين مرة» انظر: السبعة ص ٨٨.
(٢) أشار إلى هذا الموضوع الإمام السيوطي في الإتقان (١/ ٢٦٤)، مرجع سابق.
(٣) (النووي) أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي ٦٧٦ هـ: صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ١٩)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ.
(٤) انظر في طرق تحمل الحديث: ألفية السيوطي في مصطلح الحديث بتعليق الشيخ شاكر ص ٦٠.
(٥) انظر: الإتقان (١/ ٢٦٤)، مرجع سابق.
[ ١١٢ ]
ولا يجوز أخذها من الكتب كما به قد صرحوا، بل يجب
عليك أن تعرفها ممن يريك كيفية النطق بها فاه لفيك «١»
إلا أن الإجازة قد توجد بشرط أن تكون تابعة لهاتين الطريقتين بمعنى أنه تم سماع الطالب أو عرضه على شيخ اخر ثم أجيز بعد أن اختبره المجيز، أما المناولة ونحوها فلا مكان لها لأمرين أساسين يختلف في علوم القراءة عن علوم الحديث هما:
١- أن علوم القراءة لا تختلف إلا اختلافا محدودا في هيئة أداء اللفظ الداخلية غالبا أما الأحاديث فقد يوجد في هذا الكتاب ما لا يوجد عند ذاك من متن الحديث أو سنده
٢- ولأن المقصود هنا كيفية الأداء وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث فإن المقصود فيه المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القران، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ لأنه نزل بلغتهم، دون حاجة كبيرة إلى العرض والمران على قواعد التجويد التي تمثل ظواهر لغوية، ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع فكان يقرأ عليهم الاية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة فلم يكتف بقراءته.
ولكن المستعمل عند القراء سلفا وخلفا هو العرض بالقراءة على الشيخ وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القران من النبي ﷺ لكن لم يأخذ به أحد من القراء، وقد يمنع منه؛ إذ ظن أنه لن يؤدي الغرض.
_________________
(١) انظر: سنن القراء ص ١٥، مرجع سابق.
[ ١١٣ ]
ومما يتنبه له: أنه تجوز القراءة على الشيخ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة إذا كان بحيث لا يخفى عليه حالهم وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم، وكذا لو كان الشيخ مشتغلا بشغل اخر كنسخ ومطالعة، وأما القراءة من الحفظ فالظاهر أنها ليست بشرط بل يكفي ولو من المصحف.