العرضة من العرض، وهي مأخوذة من معارضة النبي ﷺ القران على جبريل ﵇ ومعارضة النبي ﷺ القران على أصحابه، والمعارضة هنا مفاعلة؛ لأنها ثبتت في حديث المعارضة «١» وقد أشار النبي ﷺ إلى اخر معارضة له مع جبريل ﵇ بقوله: «أن جبريل ﵇ كان يعارضني بالقران كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين » «٢» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان يعرض على النبي ﷺ القران كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه «٣» .
الهدف العام من معارضته ﷺ له ﵇ بالقران كل سنة: لتتم مقابلة ما حفظه ﷺ على ما أوحاه إليه جبريل ﵇ عن الله ﷾ ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدا واستثباتا وحفظا، ومراجعة للمحفوظ، ولتكون سنة رمضانية في الاتصال بالقران الكريم من جميع الأمة.
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: تلقي النبي ألفاظ القران الكريم ص ١٧٧، مرجع سابق.
(٢) صحيح البخاري (٥/ ٢٣١٧)، مرجع سابق.
(٣) البخاري (٤/ ١٩١١)، مرجع سابق.
[ ١١٤ ]
وبعد أن علمنا أن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ القران في ليل رمضان، وكان النبي ﷺ يعارض أصحابه ﵃ وأئمة الإقراء منهم خاصة ما كان يعارضه جبريل ﵇ في وقت اخر فهو ﷺ مأمور بتبليغ الرسالة، وكيف يبلغها ولم يعلمهم ويتثبت من حفظهم؟ ومما يدل على إثبات هذه العرضة على أصحابه ﵃ ما جاء عن سمرة ﵁ قال: عرض القران على رسول الله ﷺ عرضات فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة «١»، ويدل له ما سيأتي من إثبات شهود ابن مسعود للعرضة الأخيرة، فهم كانوا يعارضون القران على النبي ﷺ، وبذا تم التيقن من ثبوت كامل القران كتابة وحفظا عند أئمة الإقراء.
وأما معنى قول الزهري: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أن الله ﷾ تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد. هذا لفظ البخاري؛ ولمسلم: إن الله ﷿ تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتى توفي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله ﷺ «٢»، فقال فيه أبو شامة: «يعني عام وفاته أو حين وفاته، يريد أيام مرضه كلها، كما يقال: يوم الجمل ويوم صفين، وكانت أياما» «٣»، والظاهر عند الباحث أن المراد من كلام أنس ﵁ أن النبي ﷺ ما توفي حتى اكتمل الوحي، ولذا نزل كثير منه في الفترة التي سبقت وفاته، وقد تمتد لتكون أكثر من سنة، وعرض ذلك في رمضان إلا ايات قلائل محصورة هي التي قيل إنها اخر ما نزل من القران، فليس ما ذكره خارجا عن العرضة.
_________________
(١) الحاكم (٢/ ٢٥٠)، مرجع سابق، وقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٤)، مرجع سابق: «وإسناده حسن» .
(٢) البخاري (٤/ ١٩٠٦)، مسلم (٤/ ٢٣١٢)، مرجع سابق.
(٣) المرشد الوجيز ص ٣٠، مرجع سابق.
[ ١١٥ ]