١- ظهر التأكيد على التلاوة في الايات المدنية، فالايات الأربع التي ذكرت فيها وظائف النبي ﷺ الثلاث كلها في سور مدنية دلالة على أهمية إيلاء هذا الجانب أشد الاهتمام بعد تأمين الدولة الإسلامية، وليس معنى ذلك عدم الاستنفار لأداء هذه الوظيفة في عهد قبل ذلك بل المراد توسيع دائرة التعليم في هذا العهد، وابتكار محاضن فردية ومؤسسية له بحسب نمو المجتمع مدنيا، واتساعه جغرافيا، ولذا ورد المن بأن النبي ﷺ إنما أرسل لأجل ذلك كما قال ﷻ: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ (البقرة: ١٥١) .
_________________
(١) انظر: حياة محمد ليهكل بواسطة محمد طاهر عبد القادر الكردي المكي: تاريخ القران وغرائب رسمه وحكمه (ص ١)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
[ ٤١ ]
٢- أن هذه الوظيفة وظيفة مشتركة بين جميع الأنبياء، على أنه قد تميز بها النبي ﷺ تميزا ظاهرا لتميزه بالقران ثم بالخاتمية، وقد حدد هذه الوظيفة ابتداء إبراهيم وإسماعيل ﵉ «١» .
٣- أن النبي ﷺ تأهل بالصفات التعليمية اللازمة للمعلم الكامل القدوة (النموذج)، وعرف الصحابة عنه ذلك، ومما يؤشر في هذا السبيل: ما قاله معاوية بن الحكم السلمي ﵁: «فلما صلّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني» «٢»، والمراد الإشارة إلى هذا المعلم من صفاته ﷺ لا التفصيل.
٤- كان النبي ﷺ يجعل ذلك أول شيء يجب أن يتعلمه العبد عند إسلامه، وإن كان مقدار المحفوظ المعلّم يتفاوت بحسب الأهلية للتصدر معلّما دائما للإقراء، أو مسلما يجب عليه حفظ ورد معين ويوضح ذلك ما رواه سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت فيمن أتى النبي ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر فصاعدت في الجبل، ثم هبطت فأتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص: ١) وإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (الزلزلة: ١) وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال: «هن الباقيات الصالحات وفي رواية قل يا أيها الكافرون» «٣» .
_________________
(١) انظر: ابن كثير (١/ ١٨٤)، مرجع سابق.
(٢) مسلم (١/ ٣٨١)، مرجع سابق.
(٣) الطبراني في الكبير (٦/ ٥١)، الحديث في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٦)، مرجع سابق، وانظر: الإصابة (٣/ ٤٩) .
[ ٤٢ ]
ويتضح مما سبق أن تعليم القران الكريم على الهيئة التي كانت في عهد النبي ﷺ أفضل الأعمال: وقد أثبت النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله: «خيركم من تعلم القران وعلمه» «١»، ولا شك أن أول ما أمر النبي ﷺ بتعليمه إنما كان تعليم ألفاظ القران الكريم كما في صريح تلك الايات المتقدمة، وهو أول جزء من أجزاء وظيفة البلاغ الذي أمر به في رسالته، وقد سئل الثوري- رحمه الله تعالى- عن الجهاد وإقراء القران فرجح الثاني واحتج بهذا الحديث.
فإن اعترض على كون تعليم القران الكريم أفضل أنواع التعليم بحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حجره، فدخل المسجد، فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرؤون القران ويدعون الله، والاخرى يتعلمون ويعلّمون، فقال النبي ﷺ: «كلّ على خير: هؤلاء يقرؤون القران ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلّمون وإنما بعثت معلما» فجلس معهم «٢»، فدل هذا بظاهره على تقديم تعليم غير القران من أمور الشرع.
فالجواب: ليس في الحديث ذكر لتعليم القران الكريم في الحلقة الأولى بل غاية ما فيه ذكر قراءتهم للقران لا تعليم ألفاظه، وليس هذا مدار المسألة، على أن ذكر التعليم في الحلقة الثانية منصرف أول ما ينصرف إلى تعليم القران الكريم، ولذا طلب الأوس والخزرج من يعلّمهم القران الكريم، كما أن الرسول ﷺ عندما طلب منه إرسال من يعلم القبائل كان يرسل معهم القراء، ويحمل على هذا الرواية الاخرى عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٩١٩)، ابن حبان (١/ ٣٢٤)، الترمذي (٥/ ١٧٣)، مراجع سابقة.
(٢) سنن ابن ماجه (١/ ٨٣) .
[ ٤٣ ]
مسجده فقال: «كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه: أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم، ويعلّمون الجاهل، فهم أفضل وإنما بعثت معلما» قال:
ثم جلس فيهم «١»، وفي لفظ: دخل النبي ﷺ المسجد وقوم يذكرون الله ﷿، وقوم يتذاكرون الفقه، فقال النبي ﷺ: «كلا المجلسين إلى خير، أما الذين يذكرون الله ﷿ ويسألون ربهم فان شاء أعطاهم وان شاء منعهم، وهؤلاء يعلّمون الناس ويتعلمون، وإنما بعثت معلما وهذا أفضل» فقعد معهم «٢» .
وقد أمر ﷺ بالصبر على ذلك، وكانت له الحلقات الخاصة للقراءة والإقراء:
كما في قول الله- تعالى ذكره-: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ (الكهف: ٢٨)، فقد قال بعض المفسرين فيها: «كان ذلك تعلّمهم القران وقراءته» «٣»، ويدل لهذا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إني لجالس ذات يوم في عصابة من ضعفاء المهاجرين، ورجل منا يقرأ علينا القران ويدعو لنا، وإن بعضنا لمستتر ببعض من العري وجهد الحال؛ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فلما راه قارئنا أمسك عن القراءة، فجاء وجلس إلينا، فقال بيده، فاستدارت له حلقة القوم فقال: «ألم تكونوا ترادون حديثا بينكم» قالوا: بلى يا رسول الله صاحبنا يقرأ علينا القران ويدعو لنا. قال: «فعودوا في حديثكم» فقال الرجل: يا رسول الله اقرأ وأنت فينا؟ قال: «نعم» . ثم قال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن
_________________
(١) (الدارمي) أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن ٢٥٥ هـ: سنن الدارمي (١/ ١١١)، تحقيق: أحمد فواز زمرلي، خالد السبع العلمي، ١٤٠٧ هـ، دار الكتاب العربي- بيروت.
(٢) (الطيالسي) أبو داود سليمان بن داود الفارسي البصري ت ٢٠٤ هـ: مسند الطيالسي (ص ٢٩٨)، دار المعرفة، بيروت.
(٣) الطبري (٧/ ٢٠٥)، مرجع سابق.
[ ٤٤ ]
أصبر نفسي معهم» .. «١» .، وعن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم إلى المسجد، فوجد أصحابه عزين يتذاكرون فنون العلم، فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرؤون القران وجلس إليهم، فقال: «بهذا أرسلني ربي» ثم قام إلى الثانية فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام وجلس إليهم ولم يقل شيئا ثم قام إلى الثالثة فوجدهم يذكرون توحيد الله ﷿ ونفي الأشباه والأمثال عنه وجلس إليهم كثيرا ثم قال: «بهذا أمرني ربي» قال جابر: لأن التوحيد معرفة الله ﷿، ومن لا يعرف توحيد الله فليس بمؤمن «٢» .