نلحظ أن التلاوة جاءت في الايات كلها في أول الفروع، ثم اختلف ترتيب الفرعين الاخرين حيث جاء التعليم للكتاب والحكمة أولا في دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ في قوله ﷿: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (البقرة: ١٢٩)، والدعاء من أساليب الطلب، وجاءت التزكية قبل التعليم في ايات الإخبار في الموضع الثاني من سورة (البقرة: ١٥١)، و(ال عمران: ١٦)، و(الجمعة: ٢)، وقد تجلت من ذلك عدة حكم:
١- جاءت الفروع بهذه الهيئة في الترتيب مع أنها تعود لأمر واحد هو البلاغ المبين لأن المقام مقام تفصيل للنعم المطلوبة أو المرادة في العباد، ويدل على ذلك
_________________
(١) انظر: روح المعاني (٢٨/ ٩٣)، مرجع سابق.
(٢) انظر: القرطبي (١٨/ ٩٢)، مرجع سابق.
(٣) ابن كثير (١/ ٤٢٥)، مرجع سابق.
(٤) تفسير أبي السعود (١/ ١٦٢) .
(٥) يسمى هذا العلم (علم توجيه متشابه الكتاب)، وهو فن مستقل من علوم القران انظر: في الكتب المؤلفة فيه في مقدمة (السخاوي) علم الدين أبي الحسن علي بن محمد السخاوي ت ٦٤٣ هـ: كتاب هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب في تبيين متشابه الكتاب.
[ ٢٧ ]
قوله ﷿: وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة: ١٥١) فإن الموصول مع كونه عبارة عن الكتاب والحكمة قطعا قد عطف تعليمه على تعليمهما وما ذلك إلا لتفصيل فنون النعم في مقام يقتضيه كما في قوله تعالى وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (هود: ٥٨) عقب قوله تعالى نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا (هود: ٥٨) «والمراد بعدم علمهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالفكر والنظر وغير ذلك من طرق العلم لانحصار الطريق في الوحي» «١» .
٢- رتّبت بهذا الشكل دلالة على ضرورتها وترتبها في الوجود، والمعلم البارز في الترتيب أن التلاوة جاءت أولا في كل الايات، وذلك لأنها أساس الفرعين الاخرين، إذ حقيقة التعليم للكتاب تلاوة متعدية بإقراء ألفاظه، وتحفيظها وتفهيمها ببيان أحكامه للاخرين، وقد كان معظم تبليغه وكلامه ﷺ تلاوة القران لا يزيد عليه إلا الأقل منه، ويدل على أن ذلك هو أساس وظائفه قوله ﷿ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ (النمل: ٩١- ٩٢) .
٣- وجاءت وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ثانية في الدعاء: لأنها صفة أخرى مترتبة في الوجود على التلاوة، وأخر التزكية لأنها عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة «٢» .
٤- ويمكن النظر إلى الحكمة في الترتيب في كل سورة على حدة بالنظر إلى طبيعة وصف المخاطبين أو المتكلم عليهم: فلما كان ظاهر دعوته ﵇ أن البعث
_________________
(١) انظر: تفسير أبي المسعود (١/ ١٧٨)، روح المعاني (٢٨/ ٩٣)، مرجعان سابقان.
(٢) تفسير أبي السعود (١/ ١٧٨)، مرجع سابق.
[ ٢٨ ]
لأمة مسلمة كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية؛ فإن أصلها موجود بالإسلام، فأخر قوله وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة فترتقي بصفائها ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه من أن ترتد على أدبارها، وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية اكتساب الزكاة بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم، «ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من العلم، وأما تقديمها في ال عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالا على الدنيا التي هي أم الأدناس» «١» .
٥- ومن حكم الترتيب أن التلاوة عامة لجميع الناس، والتزكية خاصة بمن استجاب للايات فامن بها، وتعليم الكتاب والحكمة خاص ببعض المؤمنين «٢» .
٦- وفي هذا الترتيب يظهر لنا الفرق في عملية تعليم القران (علم القراءة) عن عملية تعليم الأحكام، فعلم القراءة طريقه (التلقي) الذي تشير إليه لفظة يَتْلُوا، وعلم الأحكام أعم من التلقي فقد يكون بالاستنباط مثلا كما تشير إليه لفظة وَيُعَلِّمُهُمُ فرتب «التعليم على التلاوة كما هو الواقع لأن التلاوة أول ما يقرع السمع، والتعليم الذي هو التفهم بعده» «٣» .
_________________
(١) (البقاعي) برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي ت ٨٨٥ هـ: نظم الدرر في تناسب الايات والسور.
(٢) أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٦/ ١٨٥) إلى شيء يشبه هذا مع خلاف في جزئية من الفكرة.
(٣) (السيوطي) جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكرت ٩١١ هـ: قطف الأزهار في كشف الأسرار، تحقيق د. أحمد بن محمد الحمادي، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- قطر، ١٤١٤ هـ- ١٩٩٤ م.
[ ٢٩ ]
٧- ومن الحكم الظاهرة لهذا الترتيب: أن التلاوة للقران يجب أن تكون عامة للناس، وعامة في مجتمع المؤمنين ظاهرة لا يكون أحد من المؤمنين في المجتمع إلا سامعا أو قائما بها بالقدر الذي يجعل هجران القران المذكور في قول ﷻ: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (الفرقان: ٣٠)، منتف عنه.. أما التعليم للكتاب تعليما تفصيليا دقيقا ففرض كفاية يقوم به بعض المؤمنين عن المجتمع كله.
وهذا يقتضي منهجيا من الدولة المسلمة: العمل على إشاعة القران بالوسائل الإعلامية والتوجيهية المختلفة، ومواكبة تطور العصر في هذا السبيل.