١- ألزم ﷺ برفع صوته رفعا معتدلا تبين معه الايات حتى يستبين لسامعه مع سرية الدعوة أو اشتداد الأذى عليها فيؤخذ عنه، كما تقدم عن ابن عباس ﵄.
٢- التكرار لتلاوة ألفاظ القران الكريم: للناس عامة، ويدل له التكرار في الكلام على مواقف الكفار من القران الكريم، كما في قوله ﷿: وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (الانشقاق: ٢١)، وقوله وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت: ٢٦)، فقد كانوا يشتطون في محاولة صرف الناس عن سماع كلام الله بالاستهزاء والسخرية حتى كان ذلك مبررا كافيا لرد اعتدائهم بالقتل فقد روى ابن جرير أن النبي ﷺ قتل يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله! أسيري؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنه كان يقول في كتاب الله ﷿ ما يقول» فأمر رسول الله ﷺ بقتله، فقال المقداد: يا رسول الله أسيري؟ فقال رسول الله ﷺ: «اللهم أغن المقداد من فضلك» فقال المقداد: هذا الذي أردت. وفيه أنزلت هذه الاية وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنفال: ٣١) «١» .
_________________
(١) الطبري (٩/ ٢٣١)، مرجع سابق، ورواه أبو داود في المراسيل (ص ٢٤٩)، انظر: (أبو داود) سليمان بن الأشعث السجستاني ت ٢٧٥ هـ: المراسيل، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ.
[ ٣٧ ]
وكان النبي ﷺ يكثر من تلاوة القران الكريم على من يبلغهم عامة، فيصل إلى شغاف من أراد الله بهم خيرا، ويحجب عن غفلة القلوب فكانوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (الكهف: ١٠١) ف «لعداوتهم النبي ﷺ لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلو عليهم» «١» .
٣- نقله ﷺ الوظيفة لأصحابه ﵃ تعبدا لجعل نطاق المستمعين أكثر:
فقد قام الصحابة ﵃ بتلاوة القران الكريم على الناس منذ وقت مبكر فعن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة- وهو سيد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر:
أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج، ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك. فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه
_________________
(١) (الواحدي) أبو الحسن علي بن أحمد ت ٤٦٨ هـ: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٦٧٣)، تحقيق: صفوان عدنان داودي، دار القلم- بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.
[ ٣٨ ]
في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القران، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القران، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى بن الدغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك وأرضى بجواز الله. ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة «١» .
وهذا يدل على أن القراءة العامة كانت مذ كان الوحي، ولم تكن قاصرة على الرسول ﷺ.
٤- زيادة التكرار على المؤمنين، ليحفظوها ويعوها كما قال ﷾: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ (الأنعام: ٥١)، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (ق: ٤٥) مع أنه ينذر به إنذارا عاما كما في قوله ﷻ: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (الأعراف: ٢)، وكما في قوله ﷿: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (الرعد: ٣٠) .
_________________
(١) . البخاري (٢/ ٨٠٣)، مرجع سابق.
[ ٣٩ ]
٥- أمر بمداومة التلاوة والحرص عليها كما في قوله ﷾: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ (النمل: ٩١- ٩٢)، اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ (العنكبوت: ٤٥)، ف (اتل) هنا «أمر من التلاوة والدأب عليها» «١» .
٦- كان يقرأ جميع القران في الصلاة وإن لم يرو حديثيا جزئيات تلك القراءة، لكن روي إجمالا ما يدل على ذلك فروى عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ قال: «ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة» «٢»، وعن ابن مسعود ﵁ قال: أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ المفصل بمكة، فكنا حججا نقرؤه لا ينزل غيره «٣» .