تكرر وصف مهمة النبي ﷺ بتلاوة القران وحصرها في ذلك كما في قوله تعالى ذكره وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا (القصص: ٥٩)، وعرف الصحابة أن هذه الوظيفة هي أساس وظائفه كما كان يؤديها بمقتضياتها كما قال عبد الله بن رواحة ﵁:
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع «٤»
_________________
(١) القرطبي ١٣/ ٣٤٧، مرجع سابق.
(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٢/ ١١٤.
(٣) سنن سعيد بن منصور ٢/ ٣٨٨، وإسناده قوي كما في التعليق على شرح مشكل الاثار ٤/ ٣٩٧.
(٤) البخاري ١/ ٣٨٧ ابن كثير ٣/ ٤٦٠، مرجعان سابقان.
[ ٤٠ ]
ولا شك في المراد التعليمي مع القصد التعبدي المحض في هذه القراءة كما يقول (سير وليم موير) الذي نقل رأيه صاحب كتاب (حياة محمد): «كان الوحي المقدس أساس أركان الإسلام، فكانت تلاوة ما تيسر منه جزا جوهريا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزى من يؤديهما جزاء دينيا صالحا لذلك وعت القران ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا. وقد يسرت عادات العرب هذا العمل. فقد كانوا ذوي ولع بالشعر عظيم ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد، فقد اعتادوا أن ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم، وبذلك نمت ملكة الذاكرة غاية النمو وقد بلغ بعض أصحاب النبي ﷺ من قوة الذاكرة ودقتها، ومن التعلق بحفظ القران واستذكاره حدا استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه» «١» .