بعضها علموها من القران مباشرة، وبعضها منه ﷺ حتى ضبطوا هيئة النزول: من حيث كمية المنزل الجملي إلى السماء الدنيا، والمنزل التفصيلي إلى الأرض، وعلامات نزوله (سبب النزول)، ومن ذلك- مثلا- ما جاء عن ابن عباس قال: «أنزل القران جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة» وقرأ: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) الاية وفي رواية (فرّق في السنين)، وفي أخرى: «وضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل على النبي ﷺ» «٣»، وعنه في الله ﷿: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: ١) قال: «أنزل القران جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريل ﵇ على محمد ﷺ بجواب كلام
_________________
(١) الحاكم (٢/ ٦٦٧)، وصححه، ووافقه الذهبي، وكذلك رواه الضياء في المختارة (١٠/ ١٥٤)، مرجع سابق.
(٢) مسند الإمام الربيع بن حبيب (ص ٢٨٤) .
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٩/ ٤)، مرجع سابق.
[ ٨٤ ]
العباد وأعمالهم» «١»، وعنه قال: نزل القران جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وكان بموقع النجوم، وكان الله ﷿ ينزل على رسول الله ﷺ بعضه في أثر بعض فقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً (الفرقان: ٣٢) «٢» .
وعلمهم ﷺ كيف علمه الله ﷾ قراءة القران وإقرائه كما في قول الله ﷻ:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤)، وقوله لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) «٣» .
وكان فقهاء الصحابة ﵃ يجمعون بين الأدلة وفق هذه القاعدة: فقد قال ابن عباس ﵁ وسئل عن قوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: ١) وقوله شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (البقرة: ١٨٥) وهو ينزل في غيره- فقال:
«نزل به جبريل ﵇ جملة واحدة ثم كان ينزل منه في الشهور» «٤» .
وذكر الله ﷿ ذلك التنجيم في كتابه تعليما للصحابة ﵃ ثم لمن بعدهم في الإسراء والفرقان والواقعة، وقد صرح بذلك في الواقعة عدد من المفسرين «٥»، ويرجحه ذكر القران بعده وحفظه جملة في السماء «٦»، فقد جاء «عن عكرمة في قول الله ﷿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (الواقعة: ٧٥) قال: القران نزل جملة واحدة فوضع في مواقع النجوم فجعل جبريل ﵇ ينزل بالاية والايتين وقال غيره: بمواقع النجوم بمساقط نجوم القران كلها أوله واخره»، ومن الحجة لهذا
_________________
(١) الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٢)، مرجع سابق.
(٢) النسائي في الكبرى (٦/ ٥١٩)، مرجع سابق.
(٣) وانظر تفصيل ذلك في كتاب التلقي كاملا، مرجع سابق.
(٤) التمهيد (١٧/ ٥٠)، مرجع سابق.
(٥) أكد على ذكرها للخلاف الوارد في تفسير معنى المواقع، والظاهر ألا مانع من إرادة المعنيين.
(٦) ولا ينفي هذا المعنى الثاني.
[ ٨٥ ]
القول قوله ﷿: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (الواقعة: ٧٦- ٧٧) .
كمية المنزل: الذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها أن القران كان ينزل بحسب الحاجة خمس ايات وعشرا وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر ايات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر ايات من أول المؤمنون جملة، وصح نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (النساء: ٩٥)، واحدها وهي بعض اية، وكذا قوله ﷻ:
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (التوبة: ٢٨) نزلت بعد نزول أول الاية وذلك بعض اية، وأخرج ابن أشته في كتاب المصاحف عن عكرمة قال:
«أنزل الله القران نجوما ثلاث ايات وأربع ايات وخمس ايات» «١» .
وكل هذا تعليم منه ﷺ لكيفية نزول ايات القران عليه.