وكما كان التلقي من فم النبي ﷺ (سماعا أو عرضا) هو الأداة الوحيدة لتعلم القران الكريم وتعليمه، فإنه كان أيضا الحكم بين المتخاصمين في القراءة فعن عاصم ابن أبي النجود عن زر- وهو شيخ عاصم في القران- عن ابن مسعود ﵁- وهو شيخ زر في القران- قال: أتيت المسجد فجلست إلى أناس وجلسوا إلي فاستقرأت رجلا منهم سورة ما هي إلا ثلاثون اية وهي حم الأحقاف «٣» فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرأها فقلت من أقراك قال: أقرأني رسول الله ﷺ فاستقرأت الاخر فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرؤها أنا وصاحبي فقلت: من أقرأك؟ قال: أقرأني رسول الله ﷺ، فانطلقنا إليه فأخذت بأيديهما حتى أتيت بهما رسول الله ﷺ وعنده رجل يعني عليا فقلت: يا رسول الله! إنا اختلفنا في قراءتنا قال: فتغير وجهه حين ذكرت الاختلاف فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف» فقال
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٨٧٩)، مرجع سابق، وبقية الحديث: إذ خرجت حية فقال رسول الله ﷺ: «عليكم اقتلوها» قال: فابتدرناها فسبقتنا قال: فقال: «وقيت شركم كما وقيتم شرها» .
(٢) مسند أبي داود الطيالسي (١/ ٥٤)، مرجع سابق.
(٣) سورة الأحقاف في عد الكوفيين خمس وثلاثون اية فيحمل قول ابن مسعود على عدم نزول بعض اياتها انذاك، أو اختلافهم في العدد، أو على عدم اعتبار الكسر كالمعتاد في خطاب العرب.
[ ١٠٦ ]
علي- فلا أدري أسر إليه ما لم أسمع أو علم الذي في نفسه فتكلم به-: «أن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علّم» «١»، وقال ﷺ «ليقرأ كل إنسان كما علّم كل حسن جميل» «٢»، وعن أبي الجهم ﵁ أن رجلين اختلفا في اية من القران قال هذا: تلقنتها من رسول الله ﷺ فقال الاخر: تلقنتها من رسول الله ﷺ «٣»، وعن بن عباس ﵄ قال: بينما أنا أقرأ اية من كتاب الله ﷿ وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة، فإذا أنا برجل يناديني من بعدي:
أتبع ابن عباس، فإذا هو أمير المؤمنين عمر فقلت: أتبعك على أبي بن كعب، فقال: أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ؟ قلت: نعم! قال: فأرسل معي رسولا قال: اذهب معه إلى أبي بن كعب فانظر أيقرئ أبي كذلك؟ قال: فانطلقت أنا ورسوله إلى أبي ابن كعب قال: فقلت: يا أبي قرأت اية من كتاب الله فناداني من بعدي عمر ابن الخطاب اتبع ابن عباس فقلت: أتبعك على أبي بن كعب فأرسل معي رسوله أفأنت أقرأتنيها كما قرأت؟ قال أبي: نعم! قال: فرجع الرسول إليه، فانطلقت أنا إلى حاجتي، قال: فراح عمر إلى أبي فوجده قد فرغ من غسل رأسه، ووليدته تدري لحيته بمدراها فقال أبي: مرحبا يا أمير المؤمنين! أزائرا جئت أم طالب حاجة؟ فقال عمر: بل طالب حاجة.
قال: فجلس ومعه موليان له حتى فرغ من لحيته وأدرت جانبه الأيمن من لمته ثم ولاها جانبه الأيسر حتى إذا فرغ أقبل إلى عمر بوجهه، فقال: ما حاجة أمير المؤمنين؟ فقال عمر: يا أبي علام تقنط الناس؟ فقال أبي: يا أمير المؤمنين! إني تلقيت القران ممن تلقاه- وقال عفان ممن يتلقاه- من جبريل ﵇ وهو
_________________
(١) أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ت ٣٣٥ هـ: المسند للشاشي (٢/ ١٠٥) .
(٢) الطبراني في الكبير (٥/ ١٩٨)، مرجع سابق.
(٣) مجمع الزوائد (٧/ ١٥١)، مرجع سابق، وقال: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح» .
[ ١٠٧ ]
رطب «١» وفي رواية فقال أبي: صدق تلقيتها من رسول الله ﷺ قال عمر: أنت تلقيتها من رسول الله؟ قال: نعم أنا تلقيتها من رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك يقوله وفي الثالثة وهو غضبان: نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه. فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول: الله أكبر الله أكبر «٢» .