وإنما ثنينا بِهِ لإسلامه ﵁.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْبَقَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعِمَادِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَفَاءِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ الْحَلَبِيِّ، أَنْبَأَنَا السَّرَّاجُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَادِي آشِيُّ، الشَّهِيرُ بِابْنِ الْمُلَقِّنِ، أَنْبَأَنَا الْحَافِظُ فَتْحُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ، قَالَ: " كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ مَعَ الْحَضْرَمِيِّ كِتَابًا بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْحُديْبِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
[ ٥٩ ]
قَالَ: وَجَدْتُ هَذَا الْكِتَابَ فِي كُتُبِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَنَسَخْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَيْهِ يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الإِسْلامِ، فَكَتَبَ الْمُنْذِرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا بَعْدُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَكَ عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَحَبَّ الإِسْلامَ وَأُعْجِبَ بِهِ وَدَخَلَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ، وَبِأَرْضِي مَجُوسٌ، وَيَهُودٌ، فَأَحْدِثْ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ أَمْرَكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحَمْنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ، الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّهَ ﷿ فَإِنَهُ مَنْ يَنْصَحْ فِإِنَّمَا يَنْصَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ يُطِعْ رُسُلِي وَيَتَّبِعْ أمْرَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَنْصَحْ لُهمْ فَقَدْ نَصَحَ لِي، وَإِنَّ رُسُلِي قَدْ أَثْنَوْا عَلَيْكَ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ شَفَعْتُكَ فِي قَوْمِكِ فَاتْرُكْ لِلْمُسْلِمِيَن مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، وَعَفَوْتُ عَنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا تُصْلِحُ، فَلَنْ نَعْزِلَكَ، عَنْ عَمَلِكَ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ،
[ ٦٠ ]
أَوْ مَجُوسِيَّةٍ فَعَليْهِ الْجِزْيَةُ ".
ثُمَّ قَالَ: أَسْلَمَ الْمُنْذِرُ هَذَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَسُنَ إِسْلامُهُ، وَمَاتَ قَبْلَ رِدَّةِ أَهْْلِ الْبَحْرَيْنِ ".
وَذَكَرَ ابْنُ قَانِعٍ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ بْنُ سَالِمٍ لا يَصِحُّ ذَلِكَ
وَقَدْ ذكر الزيلعي ذَلِكَ فِي آخر كتابه تخريج أحاديث الهداية، فَقَالَ: رَوَى الواقدي فِي آخر كِتَاب الردة، فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ
[ ٦١ ]
بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ بِالْبَحْرِينِ لِلَيَالِي بَقَيْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، مُنْصَرَفَهُ ﵇ مِنْ تَبُوكَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحَمْنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ دِينِي سَيَظْهَرُ إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ ".
وَخَتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ، فَخَرَجَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِر وَمَعَهُ نَفَرٌ فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا»، وَقَالَ: «إِنْ أَجَابَكَ إِلَى مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ، فَأَقِمْ حَتَّى يأْتِيكَ أَمْرِي، وَخُذِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ»، قَالَ الْعَلاءُ: وَكَتَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا يَكُونُ مَعِي، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَائِضَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْحَرْثِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، عَلَى وَجْهِهَا، وَقَدِمَ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ عَلَيْهِ، فَقَرَأَ الْكِتَابَ، فَقَالَ:
[ ٦٢ ]
أَشْهَدُ أَنَّ مَا دَعَا إِلَيْهِ حَقٌ، وَأَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَكْرَمَ مَنْزِلَهُ وَرَجَعَ الْعَلاءُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ خَبَرَهُ فَسُرَّ، ثُمَّ نَقَلَ مَا أَسْنَدَهُ الْوَاقِدِيّ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ.
[ ٦٣ ]