التحق المقريزي بالخدمة الحكومية، بعد أن غدا بحكم طبقته وتعليمه من [أهل العلم والمعرفة] وهي التسمية المخصصة لهذه الطبقة تمييزا لها عن طبقة [أهل السيف] وهم المماليك وحدهم، دون غيرهم من سكان البلاد المصرية والشامية جميعا.
وأول عهد المقريزي بالخدم الحكومية كأبيه من قبله: [ديوان الإنشاء بالقلعة]، وهو الديوان الّذي يقابله في العصر الحاضر [وزارة الخارجية]، فعمل المقريزي الشاب سنة ١٣٨٨ م موقعا- أي كاتبا- وهي وظيفة لا يبلغها وقتذاك سوى أصحاب الموهبة والمعرفة والتفوق في اللغة والأدب والتاريخ. ثم تعين المقريزي نائبا من نواب الحكم- أي قاضيا- عند قاضي قضاة الشافعية بسبب ما اشتهر عنه من الحماسة للمذهب الشافعيّ منذ أيام دراسته، وتحوله عن مذهب الحنفية الّذي نشأ فيه، ثم صار المقريزي إمام الجامع الحاكم الفاطمي، وهي وظيفة في ذلك العصر.
وتولى المقريزي بعد ذلك وظيفة مدرس للحديث بالمدرسة المؤيدية، وهي وظيفة يقابلها في المصطلح الجامعي في العصر الحاضر [أستاذ ذو كرسي] .
[ المقدمة / ٩ ]
- وربما كان تعين أحمد المقريزي في تلك الوظيفة التعليمية بتوصية خاصة من أستاذه [عبد الرحمن بن خلدون] لدى صديقه [السلطان برقوق] .
ثم انتقل المقريزي من التدريس إلي الحسبة حين عينه [السلطان برقوق] سنة ١٣٩٨ م محتسبا للقاهرة والوجه البحري، فانتقل بذلك من دائرة الإدارة والاختلاط بمختلف طبقات المجتمع، ذلك أن وظيفة المحتسب التي يقابلها في الوقت الحاضر عدة وظائف وزارية شملت وقت ذاك النظر في الأسعار الجارية، وأحوال النقود، وضبط الموازين والمكاييل والمقاييس، ومراقبة الآداب العامة ونظافة الشوارع، وتنظيم حركة المرور، مع الإشراف علي المدارس والمدرسين والطلاب، والعناية بالمساجد والحمامات والوكالات، فضلا عن مراقبة أصحاب الصناعات الفنية من الأطباء، والصيادلة، والمعلمين [أي المهندسين المعماريين] .
ويضاف إلي هذه الواجبات الكثيرة الداخلة في اختصاص المحتسب أحوال الباعة الجائلين، والمتعيشين، والشحاذين، والمتعطلين الذين كانوا خطرا دائما علي الأمن.
ويتضح من ضخامة هذه الوظيفة ومسئوليتها أن أحمد بن علي المقريزي الّذي تعين عليها بأمر [السلطان برقوق]، لا بدّ أنه اشتهر وقتذاك بالكفاية والدقة في الإدارة والأمانة في تطبيق الأحكام الشرعية.
غير أنه لم يلبث أن تنحى عن هذه الوظيفة مرتين في عامين متتالين، إذ ضاق بمسئوليتها التي شغلت وقته ليلا ونهارا، وصرفته عن القراءة، وتطلبت منه الجلوس في دكة المحتسب-[بوابة المتولي الحالية]- للفصل في شكاوى السوق والسوقة، وتوقيع عقوبات علي المخالفين، وإصدار الأوامر إلي العرفاء والأعوان والنقباء، مع العلم بأن وظيفة [محتسب القاهرة] شملت الوجه البحري كله.