ثم فجأة [(٦)] الحق وهو بغار حراء [(٧)] يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من رمضان
_________________
(١) [(١)] أخرج الترمذي نحوه في صحيح سنن الترمذي للألباني ج ٣ ص ١٩٢ حديث رقم ٣٨٨٥ وقال في آخره: «صحيح» . [(٢)] المرجع السابق حديث رقم ٣٨٩٣، وقال في آخره: «حسن صحيح» . [(٣)] في (خ) «متعبدوا» بألف بعد الواو، والمعروف عند أهل اللغة أن جمع المذكر السالم تحذف منه ألف واو الجماعة إذا أضيف. [(٤)] تحنّث: تعبد، وفعل ما يخرج به الحنث، والحنث: الذنب (المعجم الوسيط ج ١ ص ٢٠١) (وهذه اللفظة في (خ): يتجنب») . [(٥)] قال أبو القاسم الخوارزمي: أجياد موضع بمكة يلي الصفا، وهو أحد جبال مكة غربيّ المسجد الحرام. وقال الأصمعي: هو الموضع الّذي كانت به الخيل التي سخرها اللَّه لإسماعيل ﵇ (معجم البلدان ج ١ ص ١٣٠) . [(٦)] قوله: «فجأه الحق وهو بغار حراء» أي جاءه بغتة على غير موعد كما قال تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ آية ٨٦/ القصص، (البداية والنهاية ج ٣ ص ٦)، وفي (ط) «فجئه» والتصويب من (المعجم الوسيط): «فجأه الأمر فجأ، وفجأة، وفجاءة: بغته (ج ٢ ص ٦٧٤) . [(٧)] وحراء: يقصر ويمد، ويمنع ويصرف، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرقة على الكعبة منحنية، والغار في تلك الحنية. (معجم البلدان ج ٢ ص ٢٦٩) .
[ ١ / ٢٠ ]
وقيل: لأربع وعشرين ليلة مضت منه، وله من العمر أربعون سنة. وهذا مروي عن عبد اللَّه بن عباس [(١)]،
_________________
(١) [(١)] هو عبد اللَّه بن عباس، حبر الأمّة وفقيه العصر، وإمام التفسير، ابن عم رسول اللَّه ﷺ: العباس ابن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤيّ بن غالب بن فهر القرشيّ الهاشميّ المكيّ الأمير ﵁. مولده بشعب بني هاشم، قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبيّ ﷺ نحوا من ثلاثين شهرا، وحدّث عنه بجملة صالحة، وعن عمر، وعليّ، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق. وقرأ على أبيّ، وزيد. قرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة. روى عنه ابنه عليّ، وابن أخيه عبد اللَّه بن معبد، ومواليه، عكرمة، ومقسم، وكريب، وأنس بن مالك، وطاووس، وخلق سواهم. وكان وسيما جميلا، مديد القامة، مهيبا، كامل العقل، ذكيّ النفس، من رجال الكمال. انتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صحّ عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء. عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مسح النبي ﷺ رأسي، ودعا لي بالحكمة. قال الزبير بن بكّار: توفي رسول اللَّه ﷺ ولابن عباس ثلاث عشرة سنة. قال أبو سعيد بن يونس: غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح، وروى من أهل مصر خمسة عشر نفسا. قال ابن عباس: «ضمني النبي ﷺ إلى صدره وقال: اللَّهمّ علّمه الحكمة»، والحكمة: الإصابة في غير النبوة، وفي لفظ: «علّمه الكتاب»، وهو يؤيد من فسّر الحكمة هنا بالقرآن. واختلف في المراد بالحكمة هنا، فقيل: الإصابة في القول، وقيل: الفهم عن اللَّه، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب بالصواب، وقيل غير ذلك. وكان ابن عباس من أعلم الناس بتفسير القرآن. وروى أبو زرعة الدمشقيّ في تاريخه، عن ابن عمر قال: «هو أعلم الناس بما أنزل اللَّه على محمد» . وقال مجاهد: ما رأيت أحدا قطّ مثل ابن عبّاس، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة. ومسندة ألف وستمائة وستون حديثا، وله من ذلك في الصحيحين خمسة وسبعون. وتفرّد البخاري له بمائة وعشرين حديثا، وتفرّد مسلم بتسعة أحاديث. توفّي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين، وعاش إحدى وسبعين سنة. * سير أعلام النبلاء: ٣/ ٣٣١- ٣٥٩، التاريخ الكبير: ٥/ ٣، التاريخ الصغير: ١/ ٢٦، الجرح والتعديل: ٥/ ١١٦، المستدرك: ٣/ ٥٣٣، حلية الأولياء: ١/ ٣١٤، جمهرة أنساب العرب: ١٩، ٢٠، تاريخ بغداد: ١/ ١٧٣، جامع الأصول: ٩/ ٦٣، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢٧٤، وفيات الأعيان: ٣/ ٦٢- ٦٤، خلاصة تذهيب الكمال: ٢/ ٦٩، تاريخ الصحابة: ١٤٨، ١٤٩، أسماء الصحابة الرواة: ٤٠، فتح الباري: ج ٧ ص ١٢٥، ١٢٦ باب ذكر ابن عباس ﵄، حديث رقم ٣٧٥٦.
[ ١ / ٢١ ]
وجبير بن مطعم [(١)]، وقباث بن أشيم [(٢)]،
_________________
(١) [(١)] هو جبر بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصيّ. شيخ قريش في زمانه، أبو محمد، ويقال: أبو عديّ القرشيّ النوفليّ، ابن عم النبيّ ﷺ. من الطلقاء الذين حسن إسلامهم. وقد قدم المدينة في فداء الأسارى من قومه، وكان موصوفا بالحلم ونبل الرأي كأبيه. وكان أبوه هو الّذي قام في نقض صحيفة القطيعة، وكان يحنو على أهل الشّعب، ويصلهم في السر، ولذلك يقول النبي ﷺ يوم بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النّتنى لتركتهم له» . وهو الّذي أجار النبي ﷺ حين رجع من الطائف حتى طاف بعمرة، ثم كان جبير شريفا مطاعا، وله رواية أحاديث. ووفد على معاوية في أيامه. توفي جبير بن مطعم سنة ثمان وخمسين على خلاف في ذلك. * سير أعلام النبلاء: ٣/ ٩٥- ٩٩، التاريخ الكبير: ٢/ ٢٢٣، المعارف: ٤٨٥، الجرح والتعديل: ٢/ ٥١٢، جمهرة أنساب العرب: ١١٦، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ١٤٦، مرآة الجنان: ١/ ١٢٧، خلاصة تذهيب الكمال: ١/ ١٦١، شذرات الذهب: ١/ ٦٤، صحيح البخاري، كتاب الخمس، باب ما منّ النبي ﷺ على الأسارى من غير أن يخمس، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم ابن عديّ حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» حديث رقم ٣١٣٩ (فتح الباري ج ٦ ص ٢٩٨، ٢٩٩) . وهو في (مسند الحميدي) رقم ٥٥٨، وفي (صحيح سنن أبي داود) للألباني رقم ٢٣٣٨ ج ٢ ص ١٢. [(٢)] هو قباث بن أشيم بن عامر بن الملوح بن يعمر وهو الشدّاخ بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، شهد بدرا مع المشركين، وكان له فيها ذكر، ثم أسلم بعد ذلك، وشهد مع النبي ﷺ بعض المشاهد، وكان على مجنّبة أبي عبيدة بن الجراح يوم اليرموك، ونزل الشام بعد ذلك. روى عنه عامر بن زياد الليثي، وأبو الحويرث، فرواية عامر عنه مرفوعة في فضل صلاة الجماعة، أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ قال: حدثنا محمد بن شعيب قال: أخبرني أبو خالد الرّحبيّ، يعني ثور بن يزيد، عن ابن سيف الكلاعي عن عبد الرحمن بن زياد عن قباث بن أشيم الليثي أن رسول اللَّه ﷺ قال: «صلاة رجلين يؤمّ أحدهما صاحبه أزكى عند اللَّه من صلاة ثمانية تترى، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند اللَّه من صلاة مائة تترى، قال ابن شعيب: فقلت لأبي خالد: ما تترى؟ قال: متفرقين. وأما أبو الحويرث فإنه قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث أنت أكبر أم رسول اللَّه ﷺ؟ فقال: رسول اللَّه ﷺ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد رسول اللَّه ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله، وتنبأ رسول اللَّه ﷺ على رأس أربعين من الفيل» . قال البخاري وابن أبي حاتم: قباث بن أشيم له صحبة. وأخرج أبو نعيم في (الدلائل) قصة إسلامه بعد الخندق مطولة، وفيها علم من أعلام النبوة. وحديث: «صلاة رجلين..»: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير. وحديث أبي الحويرث، فأورده
[ ١ / ٢٢ ]
وعطاء [(١)]، وسعيد بن المسيب [(٢)]،
_________________
(١) [()] البيهقي في (الدلائل)، والترمذي في باب ما جاء في ميلاد النبي ﷺ، وقال عنه الألباني في ضعيف سنن الترمذي: «ضعيف الإسناد»، هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق. * ضعيف سنن الترمذي: ٤٨٤، سنن الترمذي: ٥/ ٥٥٠، جامع الأصول: ١١/ ٢١٦، ٢١٧، الدلائل للبيهقي: ١/ ٧٩، ٢/ ١٣١، الدلائل لأبي نعيم: ١/ ١٤٣، طبقات ابن سعد: ٧/ ٤١١، تاريخ الصحابة: ٢١٦، الاستيعاب: ٣/ ١٣٠٣، المؤتلف والمختلف: ٤/ ١٩٢٢، التاريخ الكبير: ٧/ ١٩٢، الجرح والتعديل: ٧/ ١٤٣، الإصابة: ٥/ ٤٠٧، ٤٠٨. [(١)] هو عطاء بن يسار الهلاليّ أبو محمد المدنيّ القاصّ، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ، وهو أخو سليمان، وعبد الملك، وعبد اللَّه بن يسار. روى عن معاذ بن جبل، وفي سماعه منه نظر، وعن أبي ذر، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن الحكم السلمي، وأبي أيوب، وأبي قتادة، وأبي واقد الليثي، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهنيّ، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عباس، وأبي رافع مولى النبي ﷺ، وعائشة، وعامر بن سعد بن أبي وقاص وهو من أقرانه، وجماعة. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من أقرانه، ومحمد بن عمر بن عطاء، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، وهلال بن علي، وزيد بن أسلم، وشريك بن أبي نمر، ومحمد بن أبي حرملة، وعمرو ابن دينار، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ويزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، وحبيب بن أبي ثابت، وصفوان بن سليم، وعبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وآخرون. قال البخاريّ وابن سعد: سمع من ابن مسعود. وقال أبو حاتم: لم يسمع منه. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. روى الواقدي: أنه مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقال غيره: سنه (٩٤)، وقال ابن سعد: وهو أشبه، وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة (١٠٣)، وهو ابن (٨٤) سنة، جزم بذلك ابن يونس في تاريخ مصر، وذكره ابن حبّان في (الثقات) وقال: قدم الشام، فكان أهل الشام يكنونه بأبي عبد اللَّه، وقدم مصر، فكان أهلها يكنونه بأبي يسار، وكان صاحب قصص، وعبادة، وفضل، كان مولده سنة (١٩)، ومات سنة (١٠٣)، وكان موته بالإسكندرية. * العقد الفريد: ٧/ ٣٥٣، المعارف: ٤٥٩، طبقات الحفاظ: ٤١، ٤٢، الثقات: ٥/ ١٩٩، سير أعلام النبلاء: ٤/ ٤٤٨، ٤٤٩، الجرح والتعديل: ٦/ ٣٣٨، التاريخ الكبير: ٦/ ٤٦١، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٣٣٥، تهذيب التهذيب: ٧/ ١٩٤، خلاصة تهذيب الكمال: ٢/ ٢٣٢، شذرات الذهب: ١/ ١٢٥، مرآة الجنان: ١/ ٢١٤. [(٢)] هو سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة، الإمام العلم، أبو محمد القرشيّ المخزوميّ، عالم أهل المدينة، وسيّد التابعين في زمانه. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وقيل: لأربع مضين منها بالمدينة. رأى عمر، وسمع عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدا، وعائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقا سواهم. وقيل: إنه سمع من عمر. وروى عن أبيّ بن كعب مرسلا، وسعد بن عبادة كذلك، وأبي ذرّ وأبي الدرداء كذلك، وبلال كذلك.
[ ١ / ٢٣ ]
_________________
(١) [()] وروايته عن عليّ، وسعد وعثمان، وأبي موسى، وعائشة، وأم شريك، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وحكيم بن حزام، وعبد اللَّه بن عمرو، وأبيه المسيّب، وأبي سعيد، في «الصحيحين» . وروايته عن حسان بن ثابت، وصفوان بن أمية، ومعمر بن عبد اللَّه، ومعاوية، وأم سلمة، في «صحيح مسلم» . وروايته عن جبير بن مطعم، وجابر، وغيرهما في «صحيح البخاري» . وروايته عن عمر، في «السنن الأربعة» . وروى أيضا عن زيد بن ثابت، وسراقة بن مالك، وصهيب، والضحاك بن سفيان، وعبد الرحمن ابن عثمان التّيميّ، وروايته عن عتّاب بن أسيد في «السنن الأربعة»، وهو مرسل. وأرسل عن النبي ﷺ، وعن أبي بكر الصديق، وكان زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه. قال الحافظ الذهبيّ: وكان ممّن برّز في العلم والعمل، وقع لنا جملة من عالي حديثه. أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق القرافي، أنبأنا الفتح بن عبد اللَّه الكاتب، أنبأنا محمد بن عمر الشافعيّ، ومحمد بن أحمد الطرائفي، ومحمد بن علي بن الداية، قالوا: أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد ابن المسلمة، أنبأنا عبيد اللَّه بن عبد الرحمن الزّهريّ سنة ثمانين وثلاث مائة، أنبأنا جعفر بن محمد الفريابيّ، حدثنا إبراهيم بن الحجّاج السّامي، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وإن صلى، وزعم أنّه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . هذا صحيح عال، فيه دليل على أن هذه الخصال من كبار الذنوب، أخرجه مسلم في الإيمان، باب خصال المنافق من كبار الذنوب. أخرجه مسلم برقم (٥٩)، (١١٠) في كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، وهذا الحديث مما عدّه جماعة من العلماء مشكلا، من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الّذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد اللَّه تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون، وهو الصحيح المختار، أن معناه: أن هذه الخصال نفاق، وصاحبها شبيه المنافقين في هذه الخصال، ومتخلّق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدّثه، ووعده، وائتمنه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار. وعن عبد العزيز بن المختار، عن عليّ بن زيد، حدثني سعيد بن المسيّب بن حزن، أن جدّه حزنا أتى النبي ﷺ فقال: «ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل» قال: يا رسول اللَّه، اسم سمّاني به أبواي وعرفت به في الناس، فسكت عنه النبي ﷺ، قال سعيد: فما زلنا تعرف الحزونة فينا أهل البيت. والحزن: ما غلظ من الأرض، وهو ضد السهل، واستعمل في الخلق، يقال: فلان حزون، أي
[ ١ / ٢٤ ]
_________________
(١) [()] في خلقه غلظة وقساوة. هذا حديث مرسل، ومراسيل سعيد محتجّ بها، لكن عليّ بن زيد ليس بالحجة، وأما الحديث فمروي بإسناد صحيح، متصل، ولفظه: أن النبي ﷺ قال له: «ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل»، فقال: لا أغيّر اسما سمّانيه أبي. قال سعيد: فما زالت تلك الحزونة فينا بعد. أخرجه البخاري في الأدب، باب اسم الحزن، قال ابن بطال: فيه أن الأمر بتحسين الأسماء، وبتغيير الاسم إلى أحسن منه ليس على الوجوب. وقال ابن التين: معنى قول ابن المسيب: «فما زالت فينا الحزونة»، يريد امتناع التسهيل فيما يريدونه. وقال الداوديّ: يريد الصعوبة في أخلاقهم، فقد ذكر أهل النسب أن في ولده سوء خلق معروف فيهم لا يكاد ينعدم منهم، إلا أن سعيدا أفضى به ذلك إلى الغضب في اللَّه. قال أحمد بن حنبل، وغير واحد: مرسلات سعيد بن المسيّب صحاح. وقال قتادة، ومكحول، والزهري، وآخرون، واللفظ لقتادة: ما رأيت أعلم من سعيد بن المسيّب. وقال عليّ بن المديني: لا أعلم في التابعين أحدا أوسع علما من ابن المسيّب، هو عندي أجلّ التابعين. عبد الرحمن بن حرملة: سمعت ابن المسيّب يقول حججت أربعين حجّة. قال يحيى بن سعيد الأنصاري: كان سعيد يكثر أن يقول في مجلسه: اللَّهمّ سلّم سلّم. معن: سمعت مالكا يقول: قال سعيد بن المسيّب: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. أبو إسحاق الشيبانيّ: عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعت عمر على المنبر وهو يقول: لا أجد أحدا جامع فلم يغتسل، أنزل أو لم ينزل، إلا عاقبته. رجاله ثقات. وفيه حجّة لم يقول إن سعيدا رأى عمر وسمع منه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) حديثا وقع له بإسناد صحيح لا مطعن فيه، فيه تصريح سعيد بسماعه من عمر. قال الواقدي: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، وغيره من أصحابنا، قالوا: استعمل ابن الزّبير جابر ابن الأسود بن عوف الزّهريّ على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيّب: لا، حتى يجتمع الناس، فضربه ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دعه. وكان جابر بن الزبير قد تزوج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: واللَّه ما ربّعت على كتاب اللَّه، وإنّك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك، فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلا يسيرا حتى قتل ابن الزّبير. عن أبي عيسى الخراساني: عن ابن المسيّب، قال: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم. أنبأنا أبو نعيم، حدثنا القطيعيّ، حدثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدثنا الحسن بن عبد العزيز، قال: كتب إلى ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن عبد اللَّه الكناني، أن سعيد بن المسيّب زوّج ابنته بدرهمين. قال الواقديّ: كان سعيد بن المسيّب من أعبر الناس للرؤيا، أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأخذته أسماء عن أبيها، ثم ساق الواقديّ عدة منامات، منها: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن السائب، قال رجل لابن المسيّب: إنه رأى
[ ١ / ٢٥ ]
وأنس بن مالك [(١)]، وهو صحيح عند أهل السير والعلم بالأثر.
_________________
(١) [()] كأنه يخوض النار، قال: لا تموت حتى تركب البحر، وتموت قتيلا. فركب البحر، وأشفى على التهلكة، وقتل يوم قديد. (وقديد موضع بين مكة والمدينة، فيه كانت الوقعة سنة (١٣٠) بين أهل المدينة وبين أبي حمزه الخارجي، فقتل منهم مقتلة عظيمة) . العطّاف: عن ابن حرملة، قال: قال سعيد: لا تقولوا مصيحف، ولا مسيجد، ما كان للَّه فهو عظيم حسن جميل. الواقديّ: أنبأنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيّب، عن أبيه: قال سعيد بن المسيّب: قلة العيال أحد اليسارين. وفي لفظ آخر: أحد اليسارين. مالك: عن يحيى بن سعيد قال: سئل سعيد بن المسيّب عن آية، فقال سعيد: لا أقول في القرآن شيئا. قال الذهبي: ولهذا قلّ ما نقل عنه في التفسير. معاوية بن صالح: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب قال: أوصيت أهلي بثلاث: أن لا يتبعني راجز ولا نار، وأن يعجلوا بي، فإن يكن لي عند اللَّه خير فهو خير مما عندكم. أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن قيس الزيّات، عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: قال سعيد بن المسيب: يا زرعة إني أشهدك على ابني محمد لا يؤذننّ بي أحدا، حسبي أربعة يحملونني إلى ربي. مات سعيد بن المسيّب بالمدينة وهو بن خمس وسبعين سنة سنة أربع وتسعين وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء، لكثرة من مات منهم فيها. * طبقات ابن سعد: ٥/ ١١٩- ١٤٣، التاريخ الكبير: ٣/ ٥١٠- ٥١١، المعارف: ٤٣٧، الجرح والتعديل: ٤/ ٥٩- ٦١، حلية الأولياء: ٢/ ١٦١- ١٧٥، تهذيب الأسماء واللغات:
(٢) ٢٢١، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٧٥- ٣٧٨، تهذيب التهذيب: ٤/ ٧٤- ٧٧، طبقات الحفاظ: ٢٥، خلاصة تذهيب الكمال: ١/ ٣٩٠- ٣٩١، سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢١٧- ٢٤٦، شذرات الذهب: ١/ ١٠٢، صفة الصفوة: ٢/ ٥٧- ٥٨، البداية والنهاية: ٩/ ١١٧- ١١٩، مرآة الجنان: ١/ ١٨٥- ١٨٧، معجم البلدان: ٤/ ٣٥٥، تاريخ الطبري: ٧/ ٣٩٣، لسان العرب: ١٣/ ١١٧ (مادة حزن)، مسلم بشرح النووي: ٢/ ٤٠٦- ٤٠٨ كتاب الإيمان باب خصال المنافق، فتح الباري ١٠/ ٧٠٢ باب (١٠٧) اسم الحزن حديث رقم (٩٦١٠) . [(١)] هو أنس بن مالك بن النّضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، الإمام، المفتي، المقرئ، المحدّث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاريّ، الخزرجيّ، النّجاريّ، المدنيّ، خادم رسول اللَّه ﷺ، وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا. روى عن النبي ﷺ علما جمّا، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذ، وأسيد بن الحضير، وأبي طلحة، وأمه أم سليم بن ملحان، وخالته أم حرام، وزوجها عبادة بن الصامت، وأبي ذرّ، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وفاطمة النبويّة، وعدة. وروى عنه خلق عظيم، منهم: الحسن، وابن سيرين، والشّعبيّ، وخلق كثير، وبقي أصحابه الثقات إلى ما بعد الخمسين ومائة. وكان أنس يقول: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، ومات وأنا ابن عشرين، وكنّ
[ ١ / ٢٦ ]
_________________
(١) [()] أمّهاتي يحثثنني على خدمة رسول اللَّه ﷺ، فصحب أنس رسول اللَّه ﷺ أتمّ الصحبة، ولازمة أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة. لم يعدّه أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبيا، ما قاتل، بلى بقي في رحال الجيش، فهذا وجه الجمع. قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول اللَّه ﷺ من ابن أم سليم، يعني أنسا. وقال أنس ابن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسّفر. مسندة ألفان ومائتان وستة وثمانون، اتّفق له البخاري ومسلم على مائة وثمانين حديثا، وانفرد البخاري بثمانين حديثا. ومسلم بتسعين، وروى له الأربعة، وجملة مرويّاته (٢٢٨٦) حديثا. قال أنس ﵁: خدمت رسول اللَّه ﷺ عشر سنين، فما ضربني، ولا سبّني، ولا عبس في وجهي، رواه الترمذي بأطول من هذا. وقال رسول اللَّه ﷺ: اللَّهمّ أكثر ماله وولده، قال أنس: واللَّه إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة اليوم، قال بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين. ذكر صلاح الدين الصّفديّ في (الوافي)، أن عليّ بن زيد بن جدعان قال: كنت في دار الإمارة والحجّاج يعرض الناس أيام ابن الأشعث، فدخل أنس بن مالك، فلمّا دنا من الحجّاج قال الحجّاج: يا خبثه! جوّال في الفتن، مرّة مع عليّ بن أبي طالب، ومرة مع ابن الزّبير، ومرة مع ابن الأشعث، واللَّه لأستأصلنّك كما تستأصل الصمغة، ولأجرّدنّك كما يجرّد الضّبّ! فقال له أنس: من يعني الأمير، أصلحه اللَّه؟ قال: إيّاك أعني، أصمّ اللَّه سمعك! فاسترجع أنس وشغل عنه، فخرج أنس وتبعته وقلت: ما منعك أن تجيبه؟ فقال: واللَّه لولا أني ذكرت كثرة ولدي، وخشيته عليهم، لأسمعته في مقامي هذا ما لا يستحسن لأحد من بعدي. وكتب إلى عبد الملك: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لعبد الملك أمير المؤمنين من أنس بن مالك خادم رسول اللَّه ﷺ وصاحبه. أما بعد، فإن الحجاج قال لي هجرا من القول وأسمعني نكرا، ولم أكن لما قال أهلا، إنه قال لي كذا وكذا، وإني أقسمت. بخدمتي لرسول اللَّه ﷺ عشر سنين كوامل: لولا صبية صغار ما باليت أيّة قتلة قتلت، وو الله، لو أن اليهود والنصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه! فخذ لي على يده، وأعني عليه، والسلام. فلما قرأ عبد الملك الكتاب استشاط غضبا، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإنك عبد من ثقيف، طمحت بك الأمور، فعلوت فيها وطغيت، حتى عدوت قدرك، وتجاوزت طورك، يا ابن المستفرمة بعجم الزّبيب، لأغمزنك غمز الليث، ولأخبطنّك خبطة، ولأركضنك ركضة تودّ معها لو أنك رجعت في مخرجك من وجار أمك. أما تذكر حال آبائك ومكاسبهم بالطائف، وحفرهم الأبار بأيديهم، ونقلهم الحجارة على ظهورهم؟ أم نسيت أجدادك في اللؤم والدناءة وخساسة الأصل، وقد بلغ أمير المؤمنين ما كان منك إلى أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول اللَّه ﷺ القريب، وصاحبه في المشهد والمغيب، جرأة منك على اللَّه ورسوله، وأمير المؤمنين والمسلمين، وإقداما على أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فعليك لعنة اللَّه من عبد أخفش العينين، أصكّ الرجلين، ممسوح الجاعرتين، لقد هممت أن أبعث إليك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أبا
[ ١ / ٢٧ ]
_________________
(١) [()] حمزة، فيحكم فيك بما يراه. ولو علم أمير المؤمنين أنك اجترمت إليه جرما، أو انتهكت له عرضا غير ما كتب إليه، لفعل ذلك بك. فإذا قرأت كتابي هذا، فكن له أطوع من نعله، واعرف حقّه، وأكرمه وأهله، ولا تقصرنّ في شيء من حوائجه، فو اللَّه لو أن اليهود رأت رجلا خدم العزير، أو النّصارى رأت رجلا خدم المسيح، لوقّروه وعظّموه، فتبا لك، لقد اجترأت ونسيت العهد، وإياك أن يبلغني عنك خلاف ذلك، فأبعث إليك من يضربك بطنا لظهر، ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصّلا إليه ليكتب إليّ برضاه عنك! ولِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وكتب عبد الملك إلى أنس: لأبي حمزة أنس بن مالك، خادم رسول اللَّه ﷺ، من عبد الملك، سلام عليك، أما بعد، فإنّي قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت في أمر الحجاج، وإني واللَّه ما سلطته عليك ولا على أمثالك. وقد كتبت إليه ما يبلغك، فإن عاد لمثلها فعرّفني حتى أحلّ به عقوبتي، وأذلّه بسطوتي، والسلام عليك. ثم أرسل إلى إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي المهاجر، ودفع إليه الكتابين، وقال: اذهب إلى أنس والحجاج، وابدأ بأنس، وقل له: أمير المؤمنين يسلم عليك ويقول لك: قد كتبت إلى عبد بني ثقيف كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، واستعرض حوائجه، فركب إسماعيل البريد، فلما دفع الكتاب إلى الحجاج، جعل يقرأه ويتمعّر وجهه، ويرشح عرقا، ويقول: يغفر اللَّه لأمير المؤمنين! ثم قال: نمضي إلى أنس، فقال له: على رسلك، ثم مضي إلى أنس وقال له: يا أبا حمزة، قد فعل أمير المؤمنين معك ما فعل، وهو يقرأ عليك السلام، ويستعرض حوائجك. فبكى أنس وقال: جزاه اللَّه خيرا، كان أعرف بحقي، وأبرّ بي من الحجاج. قال: وقد عزم الحجاج على المجيء إليك، فإن رأيت أن تتفضل عليه فأنت أولى بالتفضل. فقام أنس ودخل إلى الحجاج إليه واعتنقه وأجلسه على سريره، وقال: يا أبا حمزة، عجلت عليّ بالملامة، وأغضبت أمير المؤمنين، وأخذ يعتذر إليه ويقول: قد علمت شعب أهل العراق، وما كان من ابنك مع ابن الجارود، ومن خروجك مع ابن الأشعث، فأردت أن يعلموا أني أسرع اليهم بالعقوبة إذ قلت لمثلك ما قلت. فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، زعمت أننا الأشرار، واللَّه سمّانا الأنصار، وزعمت أننا أهل النفاق، ونحن الذين تبوّأنا الدار والإيمان، واللَّه يحكم بيننا وبينك، وما وكلتك إلى أمير المؤمنين إلا حيث لم يكن لي به قوة، ولا آوي إلى ركن شديد. ودعا لعبد الملك وقال: إن رأيت خيرا حمدت، وإن رأيت شرّا صبرت، وباللَّه استعنت. وكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما بعد، فأصلح اللَّه أمير المؤمنين وأبقاه، ولا أعدمناه، وصلني الكتاب يذكر فيه شتمي وتعييري بما كان قبل نزول النعمة بي من أمير المؤمنين، ويذكر استطالتي على أنس، جرأة مني على أمير المؤمنين، وغرّة مني بمعرفة سطواته ونقماته، وأمير المؤمنين أعزّه اللَّه في قرابته من رسول اللَّه ﷺ أحقّ من أقالني عثرتي، وعفا عن جريمتي، ولم يعجّل عقوبتي، ورأيه العالي في تفريج كربتي، وتسكين روعتي، أقاله اللَّه العثرات: قد رأى إسماعيل بن أبي المهاجر خضوعي لأنس، وإعظامي إيّاه واعتذر إليه اعتذارا كثيرا.
[ ١ / ٢٨ ]
وقيل: بعث وله من العمر ثلاث وأربعون سنة، وقيل: أربعون ويوم [(١)]، وقيل: وعشرة أيام وقيل: وشهرين [(٢)]، وقال ابن شهاب: بعث على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، فكان بين مبعثه وبين الفيل سبعون سنة.
قال إبراهيم بن المنذر: هذا وهم لا يشك فيه أحد من علمائنا، وذلك أن
_________________
(١) [()] ولما قدم الحجاج العراق أرسل إلى أنس فقال: يا أبا حمزة، إنك قد صحبت رسول اللَّه ﷺ، ورأيت من عمله وسيرته ومنهاجه، فهذا خاتمي، فليكن في يدك، فأرى برأيك، ولا أعمل شيئا إلا بأمرك. فقال له أنس: أنا شيخ كبير، قد ضعفت ورققت، وليس في اليوم ذاك. فقال: قد علمت، لفلان وفلان، فأبالي أنا؟ فانظر إن كان في بنيك ممّن تثق بدينه وأمانته وعقله! قال ما في بنيّ من أثق لك به! وكثر الكلام بينهما. وقال الحجاج يوما من جملة كلام: لقد عبت فما تركت شيئا، ولولا خدمتك لرسول اللَّه ﷺ وكتاب أمير المؤمنين لكان لي ولك شأن من الشأن، فقال أنس: هيهات! إني لما خدمت رسول اللَّه ﷺ علمني كلمات لا يضرّني معهنّ عتوّ جبّار، فقال له الحجاج: يا عمّاه لو علمتنيهنّ! فقال أنس: لست لذلك بأهل، فدسّ إليه الحجاج ابنه محمدا، ومعه مائتي ألف درهم، ومات الحجاج قبل أن يظفر بالكلمات. وقال أنس: دفنت من صلبي مائة ولد، وإنّ نخلي ليثمر في السنة مرتين، وعشت حتى استحييت من أهلي وأنا أرجو الرابعة- المغفرة- لأن النبي ﷺ قال: اللَّهمّ أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر له ذنبه، وبارك له فيما أعطيته. وقال ابن سعد: كان يصلي حتى تتفطّر رجلاه دما، وكان مجاب الدعوة، يدعو فينزل الغيث، وكان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله وعياله وولده، فيختم بحضرتهم. بلغ مائة وثلاث سنين، وتوفّي على الصحيح سنة ثلاث وتسعين للهجرة. * مرآة الجنان: ١/ ١٨٢، البداية والنهاية: ص ١٣١ من الفهارس (فهرس الوفيات)، تهذيب التهذيب: ١/ ٣٢٩- ٣٣١، الإصابة: ١/ ١٢٦- ١٢٩، خلاصة تذهيب الكمال: ١/ ١٠٥، شذرات الذهب: ١/ ١٠٠- ١٠١، الثقات: ٣/ ٤، أسماء الصحابة الرواة: ٣٩، تلقيح الفهوم: ٣٦٣، تاريخ الصحابة: ٢٨- ٢٩، صفة الصفوة: ١/ ٣٦١- ٣٦٢، الإعلام بوفيات الأعلام: ٥١، الوافي بالوفيات: ٩/ ٤١١- ٤١٦، سير أعلام النبلاء: ٣/ ٣٩٥- ٤٠٦، طبقات ابن سعد: ٧/ ١٧- ٢٦، التاريخ الكبير: ٢/ ٢٧، التاريخ الصغير: ١/ ٢٠٩، المعارف: ٣٠٨، الجرح والتعديل: ٢/ ٢٨٦، المستدرك: ٣/ ٥٧٣، الاستيعاب: ١/ ١٠٩- ١١١، جامع الأصول: ٩/ ٨٨، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ١٢٧. [(١)] في (خ) «ويوما» والرفع أصح للعطف على نائب الفاعل. [(٢)] في ابن هشام: نقلا عن ابن إسحاق «أربعين سنة» ج ١ ص ٢١٦ وفي (البداية والنهاية) «أن رسول اللَّه ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه، (ج ٣ ص ٤) .
[ ١ / ٢٩ ]
رسول اللَّه ﷺ ولد عام الفيل لا يختلفون في ذلك، ونبّئ على رأس أربعين من الفيل، وذلك على رأس مائة وخمسين سنة من عام حجة الغدر [(١)] ولستّ عشرة سنة من ملك أبرويز، ويقال: بل لعشرين سنة مضت من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وعلى الحيرة إياس بن قبيصة الطائي عاملا للفرس على العرب ومعه النخيرجان [(٢)] الفارسيّ على رأس سنتين وأربعة أشهر من ملكهما، وعلى اليمن يومئذ باذان [(٣)] أبو مهران.