أرضعته أمه ﷺ سبعة أيام [(١)]، ثم أرضعته «ثويبة» [(٢)] مولاة «أبي لهب»
_________________
(١) [(١)] في (خ) أيام أمه، والصواب ما أثبتناه. [(٢)] قال عروة: «وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ، فلما مات أبو لهب، أريه بعض أهله بشرّ حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت هذه بعتاقتي ثويبة» . ذكرها ابن مندة في الصحابة، وقال: اختلف في إسلامها، وقال أبو نعيم: لا نعلم أحدا ذكر إسلامها غيره، والّذي في السير أن النبي ﷺ كان يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد ما تزوج خديجة، ﵂، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة، إلى أن كان بعد فتح خيبر، ماتت، ومات ابنها مسروح. قوله: «وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ» ظاهره أن عتقه لها كان قبل إرضاعها، والّذي في السير يخالفه، وهو أن أبا لهب أعتقها قبل الهجرة، وذلك بعد الإرضاع بدهر طويل. وحكى السهيليّ أيضا أن عتقها كان قبل الإرضاع. قوله: «أريه» بضم الهمزة وكسر الراء وفتح التحتانية، على البناء للمجهول. قوله: «بعض أهله» بالرفع على أنه النائب عن الفاعل. وذكر السهيليّ أن العباس قال: لما مات أبو لهب، رأيته في منامي بعد حول في شرّ حال فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، قال: وذلك أن النبي ﷺ ولد يوم الاثنين، وكانت بشّرت أبا لهب بمولده فأعتقها. قوله: «بشرّ حيبة» بكسر المهملة، وسكون التحتانية، بعدها موحّدة، أي سوء حال. وقال ابن فارس: أصلها الحوبة وهي المسكنة والحاجة، فالياء في حيبة، منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها. ووقع في «شرح السنة للبغوي» بفتح الحاء، ووقع عند «المستملي» بفتح الخاء المعجمة، أي في حالة خائبة من كل خير، وقال «ابن الجوزي»: هو تصحيف. وقال «القرطبي»: يروى بالمعجمة، ووجدته في نسخة معتمدة بكسر المهملة، وهو المعروف. وحكي في المشارق عن رواية «المستملي» بالجيم، ولا أظنه إلا تصحيفا، وهو تصحيف كما قال. قوله: «ماذا لقيت؟» أي بعد الموت، قوله: «لم ألق بعدكم غير أني»، كذا في الأصول بحذف المفعول، وفي رواية الإسماعيلي: «لم ألق بعدكم رخاء»، وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: «لم ألق بعدكم راحة»، قال ابن بطال: سقط المفعول من رواية البخاري، ولا يستقيم الكلام إلا به. قوله: «غير أني سقيت في هذه» كذا في الأصول بالحذف أيضا، ووقع في رواية عبد الرزاق المذكورة، وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، وفي رواية الإسماعيلي المذكورة، وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع. وللبيهقي في الدلائل من طريق كذا مثله بلفظ «يعني النقرة»، وهي ذلك إشارة
[ ١ / ٩ ]
بلبن ابنها «مسروح» أياما قلائل [(١)] وكانت أرضعت قبل رسول اللَّه ﷺ عمه «حمزة بن عبد المطلب» [(٢)]، وأرضعت بعد رسول اللَّه ﷺ «أبا سلمة بن عبد
_________________
(١) [()] إلى حقارة ما سقي من ماء. قوله: «بعتاقتي» بفتح العين، وفي رواية عبد الرزاق «بعتقي» وهو أوجه، والوجه الأولى أن يقول: «بإعتاقي» لأن المراد التخليص من الرق. وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، ولكنه مخالف لظاهر القرآن، قال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (آية ٢٣/ الفرقان)، وأجيب: أولا: بأن الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولا، فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجة فيه، ولعلّ الّذي رآها لم يك إذ ذاك أسلم، فلا يحتج به. وثانيا: على تقدير القبول، فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبيّ ﷺ مخصوصا من ذلك، بدليل قصة أبي طالب كما تقدم، أنه خفف عنه، فنقل من الغمرات إلى الضّحضاح. وقال البيهقي: ما ورد من بطلان الخبر للكفار، فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار، ولا دخول الجنة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الّذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم، سوى الكفر بما عملوه من الخيرات. وأما القاضي عياض فقال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض. قلت: وهذا لا يرد الاحتمال الّذي ذكره البيهقي، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر، فما المانع تخفيفه؟. وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا، وبمن ورد النص فيه. وقال ابن المنير في الحاشية: هنا قضيتان: إحداهما محال، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر. والثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال، تفضلا من اللَّه تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل اللَّه عليه بما شاء، كما تفضل على أبي طالب، والمتبع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا. قلت: وتتمّة هذا أن يقع التفضل المذكور إكراما لمن وقع من الكافر من البرّ له ونحو ذلك. واللَّه أعلم. (فتح الباري ج ٩ ص ١٧٣، ١٧٤- كتاب النكاح- باب: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) . [(١)] في (خ) «دلائل» وكتب تحتها بخط آخر «قلائل» . [(٢)] هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام البطل الضرغام، أسد اللَّه أبو عمارة، وأبو يعلي القرشي الهاشمي، المكّي، ثم المدنيّ، البدريّ، الشهيد، عم رسول اللَّه ﷺ وأخوه من الرضاعة. قال ابن إسحاق: لما أسلم حمزة علمت قريش أن رسول اللَّه ﷺ قد عزّ وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. (ابن هشام) ٢/ ١٢٩، (ابن الأثير) في أسد الغابة ٢/ ٥٢، (الهيثمي) ٩/ ٢٦٧ ونسبه للطبرانيّ وقال: مرسل ورواته ثقات، وأخرجه (الحاكم) ٣/ ١٩٣. قال أبو إسحاق: عن حارثة بن مضرّب، عن علي قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: ناد حمزة،
[ ١ / ١٠ ]
الأسد» [(١)]، ثم بعد رضاعه من «ثويبة» أرضعته «أم كبشة» [(٢)]، حليمة بنت أبي ذؤيب عبد اللَّه بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية ابن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن السعدية» بلبن زوجها الحارث [(٣)] بن عبد العزى السعدي، وأرضعت معه ﷺ ابن عمه «أبا سفيان [(٤)] بن الحارث بن عبد
_________________
(١) [()] فقلت: من هو صاحب الجمل الأحمر؟ فقال حمزة: هو عتبة بن ربيعة، فبارز يومئذ حمزة عتبة فقتله. (ابن سعد) ٣/ ٨ الطبقة الأولى على السابقة في الإسلام ممن شهد بدرا، وأخرجه (الحاكم) مطوّلا ٣/ ١٩٤ وصححه، وهو كما قال. ولكن الذهبي قال: لم يخرجا لحارثة، وقد وهّاه ابن المديني، وقد أخطأ ﵀ في نقله توهية حارثة بن مضرب عن ابن المديني، فإنه لم يثبت عنه، وحارثة وثّقه أحمد، وابن معين، وابن حبان، وروى حديثة أصحاب السّنن، والبخاري في الأدب المفرد. [(١)] هو أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، السيد الكبير، أخو رسول اللَّه ﷺ من الرضاعة، وابن عمته برّة بنت عبد المطلب، وأحد السابقين الأولين، هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، ومات بعدها بأشهر، وله أولاد صحابة، كعمر وزينب، ولما انقضت عدة زوجته أم سلمة، تزوج بها النبي ﷺ، وروت عن زوجها أبي سلمة القول عند المصيبة وكانت تقول: من خير من أبي سلمة، وما ظنّت أن اللَّه يخلفها في مصابها به بنظيره، فلما فتح عليها بسيد البشر، اغتبطت أيما اغتباط. مات كهلا في سنة ثلاث من الهجرة، ﵁. (مسند أحمد) ٤/ ٢٧، (ابن سعد) ٣/ ٢٣٩، (الجرح والتعديل) ٥/ ١٠٧، (حلية الأولياء) ٢/ ٣، (تهذيب الأسماء واللغات) ٢/ ٢٤٠ رقم ٣٦٠، (تهذيب التهذيب) ٥/ ٢٥١ رقم ٤٨٧، (الإصابة) ٤/ ١٥٢ رقم ٤٧٨٦. [(٢)] هي حليمة بنت عبد اللَّه بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية بن سعد بن بكر ابن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، (تهذيب الأسماء واللغات) ٢/ ٢٣٩ رقم ٧٢٩. [(٣)] هو الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصيّة بن سعد بن بكر، يكنى أبا ذؤيب. (المرجع السابق) . [(٤)] هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أخو نوفل وربيعة، تلقى النبي ﷺ في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلما، فانزعج النبي ﷺ وأعرض عنه، لأنه بدت منه أمور في أذية النبي ﷺ، فتذلل للنّبيّ ﷺ حتى رقّ له، ثم حسن إسلامه، ولزم هو والعباس رسول اللَّه ﷺ يوم حنين إذ فرّ الناس، وأخذ بلجام البغلة، وثبت معه. وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما حليمة، سمّاه هشام بن الكلبي، والزبير: «مغيرة»، وقالت طائفة: اسمه كنيته، وإنما المغيرة أخوهم. وقيل: كان الذين يشبّهون بالنبيّ ﷺ، جعفر، والحسن بن علي، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث [و قد روى عنه ولده عبد الملك، أن النبي ﷺ قال: «يا بني هاشم إياكم والصدقة، لا تعملوا عليها فإنّها لا تصلح لكم، وإنما هي أوساخ الناس» (أبو نعيم عن عبد اللَّه بن المغيرة الهاشمي، عن أبيه، وأكثر من عرف من الصحابة) . (كنز العمال) ١٦٥٣٤]، وعبد اللَّه بن المغيرة من أهل مصر، يروي عن الثوري، روى عنه المقدام بن داود الرعينيّ، يغرب وينفرد. قال ابن حبان في:
[ ١ / ١١ ]
المطلب» أياما بلبن ابنها عبد اللَّه، ثم فطمته ﷺ بعد سنتين.
وكان حمزة بن عبد المطلب مسترضعا في بني سعد بن بكر فأرضعت أمه رسول اللَّه ﷺ يوما وهو عند أمه حليمة، وكان حمزة رضيع النبي ﷺ من وجهين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية، وكانت ابنتها الشيماء تحضنه معها.
وكان أخوه من الرضاعة عبد اللَّه بن الحارث، وهو الّذي شرب مع رسول اللَّه ﷺ، وأنيسة بنت الحارث، والشيماء وهي حذافة [(١)] بنت الحارث [(٢)] .