فخرّج أبو نعيم [(١)] من حديث بن جريح، عن إبراهيم بن ميسرة، عن نافع بن عاصم، قال: الّذي دمي وجه رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن قميئة رجل من هذيل، فسلط اللَّه عليه تيسا فنطحه حتى قتله.
وقال الواقدي في (مغازيه) [(٢)]- وقد ذكر غزوة أحد-: وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتعاقدوا على قتل رسول اللَّه ﷺ وعرفهم المشركون بذلك عبد اللَّه بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وابن قميئة [(٣)]، وأبيّ بن خلف، ورمى عتبة يومئذ رسول اللَّه ﷺ بأربعة أحجار وكسرت رباعيته- أشظى [(٤)] باطنها اليمنى السفلى وشج وجنتيه حتى غاب حلق المغفر في وجنته، وأصيبت ركبتاه فجحشتا، وكان حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين، وكان رسول اللَّه ﷺ واقفا على بعضها ولا يشعر به، والثبت عندنا أن الّذي رمى في وجنتي رسول اللَّه ﷺ ابن قميئة والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص،
_________________
(١) [(١)] (دلائل أبي نعيم): ٤٨٨- ٤٨٩، حديث رقم (٤٢٤) وسنده منقطع. [(٢)] (مغازي الواقدي): ١/ ٢٤٣- ٢٤٦. [(٣)] في بعض المراجع: «قمئة» . [(٤)] أشظى: كسر.
[ ١٣ / ٢٥٧ ]
وأقبل ابن قميئة وهو يقول: دلوني على محمد، فو الّذي يحلف به، لئن رأيته لأقتلنه! فعلاه السيف ورماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل السيف، وكان عليه ﷺ درعان، فوقع رسول اللَّه ﷺ في الحفرة التي أمامه فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف بن قميئة شيئا، إلا وهن الضربة بثقل السيف، فقد وقع لها رسول اللَّه ﷺ وانتهض رسول اللَّه ﷺ وطلحة يحمله من ورائه، وعلي آخذ بيديه حتى استوى قائما.
حدثني الضحاك بن عثمان عن ضمرة بن سعيد، عن أبي بشير المازني، قال: حضرت يوم أحد وأنا غلام، فرأيت ابن قميئة علا رسول اللَّه ﷺ بالسيف، فرأيت رسول اللَّه ﷺ وقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى توارى، فجعلت أصيح- وأنا غلام- حتى رأيت الناس ثابوا إليه، قال: فانظر إلى طلحة بن عبيد اللَّه آخذا بحضنه حتى قام رسول اللَّه ﷺ.
ويقال: إن الّذي شج رسول اللَّه ﷺ في جبهته ابن شهاب، والّذي أشظى رباعيته وأدمى شفتيه عتبة بن أبي وقاص، والّذي رمى وجنتيه، حتى غاب الحلق في وجنتيه ابن قميئة، وسال الدم من في شجته التي في جبهته حتى أخضل الدم لحيته ﷺ.
وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجه رسول اللَّه، ورسول اللَّه ﷺ يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى اللَّه﷿-؟
فأنزل اللَّه﷿-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [(١)] الآية.
وقال سعد بن أبي وقاص- رضي اللَّه ﵎ عنه-: سمعته يقول: اشتد غضب اللَّه على قوم أدموا وجه رسول اللَّه، اشتد غضب اللَّه على رجل قتله رسول اللَّه! قال سعد: فقد شفاني من عتبة أخي دعاء رسول اللَّه ﷺ، لقد حرصت على قتله حرصا ما حرصته على شيء قط، وإن كان ما علمته لعاقا بالوالد سيّئ الخلق، ولقد تخرقت صفوف المشركين مرتين أطلب أخي لأقتله، ولك راغ مني روغان الثعلب، فلما كان الثالثة قال لي رسول اللَّه ﷺ: يا عبد اللَّه ما تريد؟ تريد أن تقتل نفسك؟ فكففت، فقال رسول اللَّه ﷺ:
_________________
(١) [(١)] آل عمران: ١٢٨.
[ ١٣ / ٢٥٨ ]
اللَّهمّ لا يحولنّ الحول على أحد منهم!
قال: واللَّه، ما حال الحول على أحد ممن رماه أو جرجه! مات عتبة.
وأما ابن قميئة فإنه اختلف فيه، فقائل يقول: قتل في المعرك، وقائل يقول: إنه رمى يوم أحد بسهم، فأصاب مصعب بن عمير، فقال: خذها وأنا ابن قميئة! فقتل مصعبا، فقال رسول اللَّه ﷺ: أقمأه اللَّه،
فعمد إلى شاة يحتلبها فنطحته بقرنها وهو معتقلها فقتلته، فوجد ميتا بين الجبال، لدعوة رسول اللَّه ﷺ، وكان عدو اللَّه قد رجع إلى أصحابه، فأخبرهم أنه قتل رسول اللَّه ﷺ وهو رجل من بني الأدرم من بني فهر.
[ ١٣ / ٢٥٩ ]