فقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن جعفر، ومحمد بن صالح، ومحمد بن يحيى بن سهل، وابن أبي حبيبة، ومعمر بن راشد في رجال ممن لم أسمهم، فكل قد حدثني ببعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت كل الّذي حدثوني، قالوا: أقبل عمرو بن أمية من بئر معونة حتى كان بقناة، فلقى رجلين من بنى عامر فنسبها، فانتسبا، فقابلهما حتى إذا ناما وثب عليهما فقتلهما، ثم خرج حتى ورد على رسول اللَّه ﷺ من ساعته في قدر حلب شاة، فأخبره خبرهما، فقال رسول اللَّه ﷺ: بئس ما صنعت، قد كان لهما منا أمان وعهد! فقال: ما شعرت، كنت أراهما على شركهما، وكان قومهما قد نالوا منا ما نالوا من الغدر بنا، وجاء بسلبهما، فأمر رسول اللَّه ﷺ فعزل سلبهما حتى بعث به مع ديتها، وذلك أن عامر بن الطفيل بعث إلى رسول اللَّه ﷺ: إن رجلا من أصحابك قتل رجلين من قومي، ولهما منك أمان وعهد، فابعث بديتهما إلينا، فسار رسول اللَّه ﷺ إلى بني النضير يستعين في ديتهما، وكانت بنو النضير حلفاء لبني عامر،
فخرج رسول اللَّه ﷺ يوم السبت فصلى في مسجد قباء ومعه رهط من المهاجرين والأنصار، ثم جاء بني النضير فيجدهم في ناديهم، فجلس رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، فكلمهم رسول اللَّه ﷺ أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمرو بن أمية، فقالوا: نفعل، يا أبا القاسم، ما أحببت قد أني لك أن تزورنا وإن تأتينا، أجلس حتى نطعمك! ورسول اللَّه ﷺ مستند إلى بيت من بيوتهم، ثم خلا بعضهم إلى بعض فتناجوا، فقال: حيي بن أخطب: يا معشر اليهود، قد جاءكم محمد في نفير من أصحابه لا يبلغون عشرة- ومعه أبو بكر، وعمرو، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن خضير، وسعد بن عبادة- فأطرحوا عليه حجارة من فوق هذا البيت الّذي هو تحته فاقتلوه، فلن تجدوه أخلى منه الساعة!! فإنه إن قتل تفرق أصحابه، فلحق من كان معه من قريش بحرمهم، وبقي من ها هنا من
[ ١٣ / ٢٥٠ ]
الأوس والخزرج حلفاؤكم، فما كنتم تريدون أن تصنعوا يوما من الدهر فمن الآن! فقال عمرو بن جحاش: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، قال سلام بن مشكم: يا قوم، أطيعوني هذه المرة وخالفوني الدهر! واللَّه إن فعلتم ليخبرن بأن قد غدرنا به، وإن هذا نقض العهد الّذي بيننا وبينه، فلا تفعلوا! ألا فو اللَّه لو فعلتم الّذي تريدون ليقومن بهذا الدين منهم قائم إلى يوم القيامة، يستأصل اليهود ويظهر دينه! وقد هيأ الصخرة ليرسلها على رسول اللَّه ﷺ ويحدرها، فلما أشرف بها جاء رسول اللَّه الخبر من السماء بما هموا به فنهض رسول اللَّه ﷺ سريعا كأنه يريد حاجة، وتوجه إلى المدينة، وجلس أصحابه يتحدثون وهم يظنون أنه قام يقضي حاجة.
فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: ما مقامنا ها هنا بشيء، لقد وجه رسول اللَّه ﷺ لأمر فقاموا، فقال حيي: عجل أبو القاسم قد كنا نريد أن نقضي حاجته ونغذيه، وندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء: هل تدرون لم قام محمد؟ قالوا: لا واللَّه، ما ندري وما تدري أنت! قال: بلى والتوراة، أني لأدري قد أخبر محمد ما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، واللَّه إنه لرسول اللَّه وما قام إلا أنه أخبر بما هممتم به من الغدر، وإنه لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون فجعله اللَّه حيث شاء وإن كتبنا والّذي درسنا في التوراة التي لم يغير ولم تبدل أن مولده بمكة ودار هجرته يثرب، وصفته بعينها ما تخالف حرفا هما في كتابنا، وما يأتيكم [به] أولى من محاربته إياكم، ولكأنّي انظر إليكم ظاعنين، يتضاغى صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفا وأموالكم، وإنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، والثالثة لا خير فيها!.
قالوا: ما هما؟ قال: تسلمون وتدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم وأولادكم، وتكونون من عليه أصحابه، وتبقى بأيديكم أموالكم، ولا تخرجوا من دياركم، قالوا: لا نفارق التوراة وعهد موسى! قال: فإنه مرسل إليكم:
اخرجوا من بلدي، فقالوا: نعم- فإنه لا يستحل لكم دما ولا مالا- وتبقى أموالكم، إن شئتم بعتم، وإن شئتم أمسكتم، قالوا: أما هذا فنعم، قال: أما واللَّه إن الأخرى خيرهن لي، قال: أما واللَّه لولا أني أفضحكم لأسلمت، ولكن
[ ١٣ / ٢٥١ ]
واللَّه لا تعير شعثاء بإسلامي أبدا حتى يصيبني ما أصابكم- وابنته شعثاء التي كان حسان ينسب بها.
فقال سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتم كارها، وهو مرسل إلينا أن اخرجوا من داري، فلا تعقب يا حيي كلامه، وأنعم له بالخروج، فاخرج من بلاده، قال: أفعل، أنا أخرج! فلما رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة تبعه أصحابه، فلقوا رجلا خارجا من المدينة فسألوه: هل لقيت رسول اللَّه ﷺ؟ قال: لقيته بالجسر داخلا، فلما انتهى أصحابه إليه وجدوه قد أرسل إلى محمد بن مسلمة يدعوه،
فقال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: يا رسول اللَّه قمت ولم نشعر، فقال رسول اللَّه ﷺ: همت اليهود بالغدر بي، فأخبرني اللَّه بذلك فقمت [(١)]،
وقد ذكر موسى بن عقبة القصة بمعنى ما تقدم.
_________________
(١) [(١)] (مغازي الواقدي): ١/ ٣٦٣- ٣٦٦، وقد ذكره الواقدي بتمامه لكن ذكره المقريزي مختصرا.
[ ١٣ / ٢٥٢ ]