خرّج أبو داود [(١)] من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد اللَّه بن أنيس، عن أبيه قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى خالد بن سفيان ابن نبيح الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: أذهب فأقتله،
فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني أومئ أخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة فانطلقت أمشى وأنا أصلي أمشي إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال:
من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.
وقال الواقدي [(٢)]- ﵀-: حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن جبير، عن موسى بن جبير قال بلغ رسول اللَّه ﷺ أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي، ثم اللحياني، وكان نزل عرنة وما حولها في ناس من قومه وغيرهم، فجمع الجموع لرسول اللَّه ﷺ وضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس، فدعا رسول
_________________
(١) [(١)] (سنن أبي داود): ٢/ ٤١- ٤٢، كتاب الصلاة، باب (٢٨٩) في صلاة، حديث رقم (١٢٤٩)، قال ابن الأثير: وهو حديث حسن بشواهده. (جامع الأصول): ٥/ ٧٤٩، حديث رقم (٤٠٦٣) . [(٢)] (مغازي الواقدي): ٢/ ٥٣١- ٥٣٣.
[ ١٣ / ٣١٢ ]
اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن أنيس، فبعثه سرية وحده إليه ليقتله، وقال له رسول اللَّه ﷺ: انتسب إلى خزاعة فقال عبد اللَّه بن أنيس: يا رسول اللَّه ما أعرفه فصفه لي فقال رسول اللَّه ﷺ: إنك إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان، وكنت لا أهاب الرجال، فقلت يا رسول اللَّه: ما فرقت من شيء قط، فقال رسول اللَّه ﷺ: بلى، آية بينك وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته، واستأذنت النبي ﷺ أن أقول، فقال: قل ما بدا لك،
قال: فأخذت سيفي لم أزد عليه، وخرجت أعتزي إلى خزاعة، فأخذت على الطريق حتى انتهيت إلى قديد فأجد بها خزاعة كثيرا، فعرضوا علي الحملان والصحابة، فلم أرد ذلك وخرجت حتى أتيت بطن سرف، ثم عدلت حتى خرجت على عرنة، وجعلت أخبر من لقيت أني أريد سفيان بن خالد لأكون معه، حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي، ووراءه الأحابيش ومن استجلب وضوى إليه فلما رأيته هبته، وعرفته بالنعت الّذي نعت لي رسول اللَّه ﷺ، ورأيتني أقطر فقلت: صدق اللَّه ورسوله! وقد دخلت في وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي أومئ إيماء برأسي فلما دنوت منه قال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل أني لفي الجمع له، فمشيت معه، وحدثته فاستحلى حديثي، وأنشدته شعرا، وقلت: عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء وسفه أحلامهم قال: لم يلق محمد أحد يشبهني! قال: وهو يتوكأ على عصى يهد الأرض حتى انتهى إلى خبائه، وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه وهم مطيفون به، فقال: هلم يا أخا خزاعة! فدونت منه لجاريته: احلبي! فحلبت، ثم ناولتني، فمصصت ثم دفعته إليه، فعب كما يعب الجمل حتى غاب أنفه في الرغوة، ثم قال:
اجلس، فجلست معه، حتى إذا هدأ الناس وناموا وهدأ، اغتررته فقتلته وأخذت رأسه، ثم أقبلت وتركت نساءه يبكين عليه، وكان النجاء مني حتى صعدت في جبل فدخلت غارا، وأقبل الطلب من الخيل والرجال توزع في كل وجه، وأنا مختف في غار الجبل، وضربت العنكبوت على الغار، وأقبل رجل معه إداوة ضخمة ونعلاه في يده، وكنت حافيا، وكان أهم أمري عندي العطش، كنت أذكر تهامة وحرها، فوضع إداوته ونعله وجلس يبول على باب الغار، ثم قال
[ ١٣ / ٣١٣ ]
لأصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين،
وخرجت إلى الإداوة فشربت منها وأخذت النعلين فلبستهما، فكنت أسير الليل وأتوارى النهار حتى جئت المدينة فوجدت رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فلما رآني قال: أفلح الوجه، قلت: أفلح وجهك يا رسول اللَّه! فوضعت رأسه بين يديه، وأخبرته خبري، فدفع إليّ عصا، فقال: تخصر بهذه في الجنة، فإن المتحضرين في الجنة قليل، فكانت عند عبد اللَّه بن أنيس حتى إذا حضره الموت أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه، وكان قتله في المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا.