فخرّج مسلم [(١)] والترمذي [(٢)] من حديث عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك الحنفي أبو زميل قال: حدثني عبد اللَّه بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول اللَّه ﷺ: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أوفى عباءة، ثم قال رسول اللَّه ﷺ: يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال: فخرجت فناديت في الناس: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، اللفظ لمسلم وهو أتم، ذكره في كتاب الإيمان، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وخرّج مسلم في كتاب الإيمان من حديث ابن وهب، عن مالك، عن ابن أنس عن ثور بن زيد الدؤليّ، ومن حديث عبد العزيز بن محمد، عن ثور، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر ففتح اللَّه علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع، والطعام، والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول اللَّه ﷺ عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول اللَّه ﷺ يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ: كلا والّذي نفسي بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، قال: ففزع
_________________
(١) [(١)] (مسلم بشرح النووي): ٢/ ٤٨٧- ٤٨٨، كتاب الإيمان، باب (٤٨) غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، حديث رقم (١١٤) . [(٢)] (سنن الترمذي): ٤/ ١١٨، كتاب السير، باب (٢١) ما جاء في الغلول، حديث رقم (١٥٧٤)، وفيه: «قم يا علي فناد» .
[ ١٣ / ٣٤٠ ]
الناس فجاء رجل بشراك، أو شراكين، فقال: يا رسول اللَّه أصبت يوم خيبر، فقال رسول اللَّه ﷺ: شراك من نار أو شراكان من نار [(١)] .
وخرّجه البخاريّ في كتاب الأيمان والنذور من حديث مالك، عن ثور بن زيد الدئلي، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال، والثياب، والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له: رفاعة بن زيد غلاما يقال له مدعم، فوجه رسول اللَّه ﷺ إلى وادي القرى، حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مدعم بحط رحلا لرسول اللَّه ﷺ إذا سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول اللَّه ﷺ: كلا والّذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ، فقال: شراك من نار أو شراكان من نار [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] (مسلم بشرح النووي): ٢/ ٤٨٨- ٤٨٩، كتاب الإيمان، باب (٤٨) غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، حديث رقم (١١٥) . وفي الحديثين من الفوائد غلظ تحريم الغلول، وأنه لا فرق بين قليله وكثيره، حتى الشراك، ومنها أن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غلّ إذا قتل ومنها أنه لا يدخل الجنة أحد ممن مات على الكفر، وهذا بإجماع المسلمين، ومنها جواز الحلف باللَّه- تعالى- من غير ضرورة، لقوله ﷺ: والّذي نفس محمد بيده، ومنها أن من غلّ شيئا من الغنيمة يجب عليه رده، وأنه إذا رده يقبل منه، ولا يحرق متاعه، سواء رده أم لم يرده، فإنه ﷺ لم يحرق متاع صاحب الشملة، وصاحب الشراك، ولو كان واجبا لفعله، ولو فعله لنقل. (شرح النووي) . [(٢)] (فتح الباري): ١١/ ٧٢٥، كتاب الإيمان والنذور، باب (٣٣) هل يدخل في الإيمان والنذور، الأرض والغنم والزرع والأمتعة، وقال ابن عمر: قال عمر للنّبيّ ﷺ: أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه، قال: إن شئت حبسّت أصلها وتصدقت بها، وقال أبو طلحة للنّبيّ ﷺ: أحب أموالي إليّ بيرحاء لحائط له مستقبلة القبلة حديث رقم (٦٧٠٧)، والشراك: سير النعل.
[ ١٣ / ٣٤١ ]
وخرّجه أبو داود في الجهاد، عن مالك بهذا الإسناد، وخرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الثياب والمتاع والأموال قال:
فوجه رسول اللَّه ﷺ نحو وادي القرى وقد أهدى لرسول اللَّه ﷺ عبد أسود يقال له: مدعم، حتى إذا كانوا بوادي القرى فبينما مدعم يحط رحل رسول اللَّه ﷺ إذا جاءه سهم فقتله.. الحديث إلى آخره نحوه [(١)] .
وخرّج في كتاب الجهاد من حديث سفيان، عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له:
كركرة فمات، فقال رسول اللَّه ﷺ: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلّها [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] (سنن أبي داود): ٣/ ١٥٥، كتاب الجهاد باب (١٤٣) في تعظيم الغلول، حديث رقم (٢٧١١) . [(٢)] (فتح الباري): ٦/ ٢٣٠، كتاب الجهاد والسير، باب (١٩٠) القليل من الغلول، ولم يذكر عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ أنه حرّق متاعه، وهذا أصح، حديث رقم (٣٠٧٤)، وقال في آخره: قال أبو عبد اللَّه: قال ابن سلام: كركرة، يعني بفتح الكاف، وهو مضبوط هكذا. قوله: «على ثقل»، بمثلثة وقاف مفتوحتين: العيال، وما يثقل حمله من الأمتعة. قوله: «كركرة»، ذكر الواقديّ أنه كان أسود يمسك دابة رسول اللَّه ﷺ في القتال، وروى أبو سعيد النيسابورىّ في (شرف المصطفى): أنه كان نوبيا أهداه له هوذة بن عليّ الحنفيّ صاحب اليمامة فأعتقه، وذكر البلاذريّ أنه مات في الرق. واختلف في ضبطه في كافه الأولى، وأما الثانية فمكسورة اتفاقا، وقد أشار البخاريّ إلى الخلاف في ذلك بقوله في آخر الحديث: «قال ابن سلام: كركرة» قال، وأراد بذلك أن شيخه محمد بن سلام رواه عن ابن عيينة بهذا الإسناد بفتح الكاف، وصرح بذلك الأصيلي في روايته، فقال: يعني بفتح الكاف. واللَّه- تعالى- أعلم. قال عياض: هو للأكثر بالفتح في رواية عليّ، وبالكسر في رواية ابن سلام وعند الأصيلي بالكسر في الأول، وقال القابسيّ: لم يكن عند المروزي فيه ضبط إلا أني أعلم الأول خلاف الثاني.
[ ١٣ / ٣٤٢ ]
وخرّج أبو داود [(١)] والنسائي [(٢)] من حديث يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهنيّ أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ توفى يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل اللَّه ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين، اللفظ لأبي داود، وخرّجه ابن الجارود به بنحوه.
وقال الواقدي في غزاة خيبر [(٣)]: وكان رجل أسود مع النبي ﷺ يمسك دابته عند القتال فقال له: كركرة فقتل يومئذ، فقيل يا رسول اللَّه استشهد كركر فقال رسول اللَّه ﷺ: إنه الآن ليحرق في النار على شملة غلها، فقال رجل من القوم: يا رسول اللَّه أخذت شراكين يوم كذا وكذا، فقال رسول اللَّه ﷺ:
شراكان من نار، وتوفى يومئذ رجل من أشجع وإنهم ذكروه لرسول اللَّه ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ:
إن صاحبكم غلّ في سبيل اللَّه، قال زيد بن خالد الجهنيّ: ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يسوى درهمين.
وقال في غزوة وادي القرى [(٤)]، وكان أبو هريرة [يحدث] [(٥)] قال:
خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ من خيبر إلى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن
_________________
(١) [()] وفي الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره، وقوله: «هو في النار»، أي يعذب على معصيته أو المراد هو في النار إن لم يعف اللَّه عنه. [(١)] (سنن أبي داود): ٣/ ١٥٥، كتاب الجهاد، باب (١٤٣) في تعظيم الغلول، حديث رقم (٢٧١٠)، وأخرجه ابن ماجة في الجهاد، باب الغلول، حديث رقم (٢٨٤٨) . [(٢)] (سنن النسائي): ٤/ ٣٦٦، كتاب الجنائز، باب (٦٦) الصلاة على من غلّ، حديث رقم (١٩٥٨) . قال الحافظ السندي: «غل»: أي خان في الغنيمة قبل القسمة، «ما يساوي درهمين»: أي قدرا يساوي درهمين، أو كلمة «ما» نافية. (حاشية السندي على سنن النسائي) . [(٣)] (مغازي الواقدي): ٢/ ٦٨١. [(٤)] (مغازي الواقدي): ٢/ ٧٠٩- ٧١٠. [(٥)] زيادة للسياق من (المغازي) .
[ ١٣ / ٣٤٣ ]
وهب الجذاميّ قد وهب لرسول اللَّه ﷺ عبدا أسود يقال له: مدعم، وكان يرحل لرسول اللَّه ﷺ فلما نزلوا بوادي القرى انتهينا إلى اليهود وقد ضوى إليها أناس من العرب فبينما مدعم يحط رحل النبي ﷺ وقد استقبلتنا اليهود بالرمي حيث نزلنا، ولم يكن على تعبئة وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر [(١)]
فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا لك الجنة، فقال النبي ﷺ: كلا والّذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لتشتعل عليه نارا فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ بشراك أو بشراكين فقال رسول اللَّه ﷺ: شراك [(٢)] من نار، أو شراكان من نار.
وقال في غزوة حنين [(٣)]: [أن رجلا] قاتل قتالا شديدا حتى اشتد به الجراح فذكر للنّبيّ ﷺ، فقال: من أهل النار، فارتاب المسلمون في ذلك، ووقع في أنفسهم ما اللَّه به عليهم، فلما اشتدّ به الجراح أخذ مشقصا [(٤)] من كنانته فانتحر به، فأمر رسول اللَّه ﷺ بلالا ينادي: ألا لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن اللَّه يؤيد الدين بالرجل الفاجر.
قال المؤلف﵀-: فدخل الواقدي﵀- بما ذكر وجه البيان بأن الغالين أربعة:
أحدهم: الّذي نحر نفسه من شدة ألم الجراحة بحنين.
والثاني: الّذي لم يصلّ عليه النبي ﷺ لما مات بخيبر وهو رجل من أشجع.
والثالث: كركرة قتل بخيبر.
والرابع: مدعم قتل بوادي القرى.
_________________
(١) [(١)] العائر من السهام: ما لا يدري راميه. [(٢)] الشراك أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. [(٣)] (مغازي الواقدي): ٣/ ٩١٧. [(٤)] المشقص من النصال: ما طال وعرض.
[ ١٣ / ٣٤٤ ]