واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهمّ؛ أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على
[ ١٣٣ ]
نفسه، وفيه نزلت: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.
وأخذ رسول الله ﷺ حفنة من تراب، فرمى بها قريشا، وقال: «شاهت الوجوه» وقال لأصحابه:
«شدّوا» فكانت الهزيمة، وكانت تلك الحصباء عظيما شأنها، لم تترك أحدا من المشركين إلّا ملأت عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم، ويأسرونهم، وبادر النفير إلى كل رجل منهم منكبّا على وجهه، يعالج التراب، ينزعه من عينيه، وذلك قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي: عمّ جميعهم، وما في قبضتك إلّا ما يبلغ بعضهم، فالله هو الذي رمى سائرهم.
وذكر المقريزي في «إمتاع الأسماع»: إنّ هزيمة القوم كانت عند الزوال، وكان الرجل يومئذ يرى الملك على صورة رجل يعرفه، وهو يثبّت ويقول له: ما هم بشيء، فكر عليهم، وذلك معنى قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.
قال سيدنا حسان ﵁:
ميكال معك وجبرئيل كلاهما مدد لنصرك من عزيز قادر
(ولم يقاتل في سواها) أي: في غير غزوة بدر (الجمع)
[ ١٣٤ ]
وقيل: لم تقاتل الملائكه إذ ريشة منهم لقوم مهلكه
لكنّهم لعدد ومدد وطبلهم هناك طول الأبد
من الملائكة، أما فيها.. فقاتلت، وبهذا صرح العماد بن كثير في «تفسيره» فقال: (المعروف من قتال الملائكة: أنّه إنّما كان يوم بدر- ثم روى بإسناده إلى ابن عباس- قال: لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدر) .
(وقيل لم تقاتل الملائكه) لا في بدر ولا في غيرها، وإنّما كانوا يكثّرون السّواد، ويثبّتون المؤمنين، وإلّا.. فملك واحد يكفي في إهلاك الدنيا، كما قال الناظم: (إذ ريشة منهم لقوم مهلكه) مبيدة.
(لكنهم) إنّما حضروا بدرا (لعدد) أي: لتكثير عدد (ومدد) في أعين المشركين، لا يضربون.
قال في «شرح المواهب» عقب ذكر هذا القيل، وما معه من الدليل: (وهذه شبهة يدفعها ما يأتي عن السبكي، قلت:
وحاصل دفعها عنه: أنّ قتال الملائكة مع النّبيّ ﷺ على سبيل الاشتراك في بعض الفعل، مع أنّ جبرائيل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؛ لإرادة أن يكون الفعل للنّبيّ ﷺ، ولأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب، وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل الجميع) .
[ ١٣٥ ]
وفي المسألة قول ثالث، ذكره في «شرح المواهب» وهو: أنّها قاتلت فيها وفي غيرها.