ثمّ أراد الناظم رحمه الله تعالى أن يذكر بعض من تخلّف عن حضور بدر لعذر قام به، ولولاه لما غابوا، فكانوا كمن حضرها؛ ولذلك أسهم لهم النّبيّ ﷺ فقال:
(في الأجر) أي: ثواب من شهد بدرا (و) في
[ ١٦٤ ]
لطلحة ولسعيد أرسلا للرّكب ينظران أين نزلا
(المغنم) أي: الغنيمة، والجار والمجرور متعلق بقوله:
(قسّم النّبيّ) ﷺ (لنفر) هو في الأصل من ثلاثة لعشرة، والذين ذكرهم في النظم ثمانية (عن الزحاف) بكسر الزاي المعجمة: الدنوّ من القتال، أو القتال نفسه، وهو متعلق بقوله: (غيّب) بضم الغين المعجمة، وتشديد الياء المفتوحة الواقع نعتا للنفر؛ أي: قسّم النّبيّ ﷺ لنفر غيب عن القتال لعذر كما تقدم؛ فلأجل ذلك أسهم لهم ﷺ، وأخبرهم بثبوت الأجر لهم، ففي «الحلبية»: أنّ النّبيّ ﷺ أسهم لكلّ، وصار كل من أسهم له يقول: وأجري يا رسول الله؟ فيقول:
«وأجرك» .
ثمّ أراد أن يذكر أسماء أولئك، مع بيان أعذارهم فقال:
(لطلحة): هو ابن عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم القرشي التيمي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد السابقين «١» (ولسعيد): وهو ابن زيد بن
_________________
(١) أسلم على يد أبي بكر الصدّيق ﵁، وأم طلحة اسمها الصعبة بنت الحضرمي، وكانت قبل أبيه تحت أبي سفيان بن حرب، وفيها يقول: وإنّي وصعبة فيما ترى بعيدان والود ود قريب وإلّا يكن نسب ثاقب فعند الفتاة جمال وطيب فيا لقصيّ ألا فانظروا إلى الوبر صار الغزال الربيب روى ابن ماجه في «سننه» عن صاحب الترجمة أنّه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وبيده سفرجلة، فقال: «دونكها؛ فإنّها تجم الفؤاد» .
[ ١٦٥ ]
عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح- براء مفتوحة، ثمّ زاي وحاء مهملة- ابن عديّ بن كعب «١»، وهذا كسابقه، بدل من قوله: (لنفر) .
ثمّ بيّن سبب ذلك، وهو عذر تخلّفهم عن شهود بدر، بقوله: (أرسلا) والألف للإطلاق، مبينا للفاعل، وهو في قوة العلة لما قبله (للركب) والمراد به: عير أبي سفيان؛ أي: إنّما قسم النّبيّ ﷺ لهما؛ لأنّه أرسلهما لركب أبي سفيان «٢» (ينظران أين نزلا) أي: الركب.
قال ابن إسحاق: قدم طلحة من الشام بعد أن رجع رسول الله ﷺ من بدر، فكلّمه، فضرب له بسهمه، فقال: وأجري يا رسول الله؟ قال: «وأجرك»، وكذا قال ابن إسحاق في سعيد: «إنّه قدم من الشام بعد قدومه ﷺ من بدر، فكلّمه، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، فقال: وأجري يا رسول الله قال: «وأجرك» .
وقال الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب»: (عن
_________________
(١) - وسيأتي بعض مناقبه في غزوة أحد إن شاء الله تعالى، توفي سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة.
(٢) فهو من بني عدي، ومن السابقين إلى الإسلام، توفي في خلافة سيدنا معاوية ﵁ سنة إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، ودفن في أرضه بالبقيع.
(٣) فيه إشارة إلى أنّ فاعل أرسل ضمير يعود على النّبيّ ﷺ، ويصح أن يكون أرسل مبنيا للمفعول، والمراد: أرسلها النّبي ﷺ.
[ ١٦٦ ]
ولابن عفّان ولابن الصّمّة وابن جبير كسرا عن همّة
الواقدي بعث رسول الله ﷺ قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار، ثمّ رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر) .
ثمّ عطف على قوله: (لطلحة) قوله:
(ولابن عفان) وما بعده؛ أي: قسم النّبيّ ﷺ في الأجر والمغنم لسيدنا عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف «١»؛ لأنّه تخلّف على رقية ابنته ﷺ، وكانت مريضة.
قال في «الحلبية»: (وقيل: إنّه كان مريضا بالجدريّ)
_________________
(١) يكنى أبا عبد الله بابنه من رقية بنت رسول الله ﷺ، ومات صغيرا من نقرة الديك في عينيه ﵁، ابن ست سنين، ثمّ ولد له عمرو فكنّي به، وله تقول زوجه نائلة بنت الفرافصة تبكيه- وقيل: لوليد بن عتبة-: ألا إنّ خير الناس بعد ثلاثة قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وما لي لا أبكي، وتبكي قرابتي وقد حجبت عنا فضول أبي عمرو وأمه أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس، وأخوه لأمه الوليد بن عتبة، وأم أمهما أم حكيم البيضاء، توأمة عبد الله أبي رسول الله ﷺ، كذا في «روض النّهاة» . قال في «الإصابة»: (قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حش كوكب، كان عثمان اشتراه فوسع به البقيع، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وشهر على الصحيح المشهور) . وترجمته ﵁ واسعة تطلب من المطولات.
[ ١٦٧ ]
أي: ولا مانع من وجود الأمرين، وقد قال ﷺ: «إنّ لك لأجر رجل وسهمه» .
(ول) لحارث (بن الصمّة) بكسر الصاد المهملة مع تشديد الميم، ابن عمرو بن عتيك الأنصاريّ، ثمّ النّجّاري، والد أبي جهيم، آخى النّبيّ ﷺ بينه وبين سيدنا صهيب، واستشهد ببئر معونة ذكره الحافظ في «الإصابة» .
(و) لخوّات بتشديد الواو (ابن جبير) بالتصغير ابن النعمان بن أميّة بن امرئ القيس الأوسيّ البكري، أخي عبد الله بن جبير، وخوّات هذا هو صاحب ذات النحيين في الجاهلية، وهي امرأة من بني تيم الله اسمها خولة، يروى: أنّ النّبيّ ﷺ سأله عنها، فتبسّم، فقال:
يا رسول الله؛ قد رزق الله خيرا، وأعوذ بالله من الحور بعد الكور، قيل: إنّه مرّ في الجاهلية بنسوة فأعجبه حسنهنّ، فسألهنّ أن يفتلن قيدا لبعير له، زعم أنّه شارد، فجلس إليهنّ، فمرّ به رسول الله ﷺ فأعرض عنه، فلمّا أسلم.. سأله عن ذلك البعير الشارد وهو يبتسم، فقال خوّات: قيده الإسلام يا رسول الله.
قال في «روض النّهاة»: (وفي قصته مع خولة يقول:
فشدّت على النّحيين كفّا ضعينة فأعجلتها، والفتك من فعلاتي
[ ١٦٨ ]
وابن عديّ عاصم العجلاني خلّفه خير بني عدنان
على العوالي وعلى المدينه أبا لبابة الرّبيط الزّينه
وفيها المثل: (أشغل من ذات النحيين) توفي سنة أربعين، وهو ابن إحدى وسبعين سنة.
وأشار الناظم إلى عذر تخلفهما عن بدر فقال: (كسرا) بالبناء للمفعول؛ أي: أصاب رجليهما كسر (عن همة) صادقة لحضور بدر؛ فلذلك ضرب النّبيّ ﷺ سهما لكل واحد منهما.
(وابن عدي) واسمه (عاصم) وعدي هو: ابن الجدّ بن العجلان، فهو منسوب لجده، كما قال: (العجلاني) حليف الأنصار «١»، وجملة (خلّفه خير بني عدنان) ﷺ خبر عن المبتدأ، الذي هو (ابن عدي) ويتعلق بخلّفه قوله: (على العوالي) وردّه إليها من الروحاء؛ لسبب ذكره موسى بن عقبة وغيره، كما في «الروض الأنف»: (أنّ رسول الله ﷺ بلغه شيء عن أهل مسجد الضّرار، وكان قد استخلفه على قباء والعالية، فردّه لينظر في ذلك، وضرب له بسهمه مع أهل بدر) .
قلت: هكذا قالوا، ولم يكن إذ ذاك مسجد الضّرار، وإنّما كان سنة تسع عند خروجه ﷺ لتبوك،
_________________
(١) يكنى أبا عمرو، وأبا عبد الله، وعاصم هذا هو المذكور في حديث الذي يقول له عويمر العجلاني- وهو عمير بن الأبيض-: سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ، توفي سنة خمس وأربعين وهو ابن عشرين ومئة. اهـ من «الروض الأنف»
[ ١٦٩ ]
فيحتمل أن يكون استخلافه ﵊ على أهل قباء والعالية من المدينة لشيء بلغه عنهم؛ ولذلك عدّ من البدريين وضرب له بسهم وهو المعتمد، كما ذكره الحافظ في «الإصابة» أمّا ذكر مسجد الضرار.. فلا معنى له هنا.
(و) خلف (على المدينة) المنوّرة بأنواره ﵊ واليا (أبا لبابة) بشير بن عبد المنذر «١»، وكان رده من الروحاء على المشهور، وإنّما قلنا: (واليا) لأنّه استعمل على الصّلاة في المدينة ابن أم مكتوم، وقوله: (الربيط) أي: لنفسه بالسارية؛ وذلك: لما طلبه بنو قريظة في حصار النّبيّ ﷺ إياهم، وسألوه عمّا يكون إذا نزلوا على حكمه، فأشار لهم بيده للذبح، فخرج من عندهم نادما، فربط نفسه بسارية من سواري المسجد.. حتّى تاب الله تعالى عليه، وحلّه رسول الله ﷺ من السارية.
وسيأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في غزوة بني قريظة، ووصفه بقوله: (الزينة) أي: لقومه؛ لخصاله الحميدة الجميلة.
_________________
(١) هو من سادات بني عمرو بن عوف، وهو صاحب الحديث: «اللهمّ؛ اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره» وهو: الثقب الذي يسيل منه ماء المطر، وكان حض على النّبيّ ﷺ في طلب الاستسقاء، فرأى أبو لبابة قول النّبيّ ﷺ. وقال في «الإصابة»: (ذكره موسى بن عقبة في البدريين، وقالوا: كان أحد النقباء ليلة العقبة، وكانت راية بني عمرو يوم الفتح معه، مات في خلافة علي، وقال خليفة: مات بعد قتل عثمان، ويقال: عاش إلى ما بعد الخمسين) .
[ ١٧٠ ]
ثامنهم ردّ من الرّوحاء وهو ابن حاطب إلى قباء
(ثامنهم) أي: من تخلف عن بدر لعذر، فضرب له النبي ﷺ بسهم (ردّ من الرّوحاء) إلى قباء، فقوله: (وهو ابن حاطب) جملة معترضة أتى بها لبيان تعيين الثامن، وهو الحارث بن حاطب بن عمرو الأوسي، أخو ثعلبة.
قال في «الإستيعاب»: (ردّ رسول الله ﷺ الحارث بن حاطب، حين توجّه إلى بدر من الروحاء في شيء أمره به في بني عمرو بن عوف، وضرب له بسهمه، وأجره، فكان كمن شهدها) .
وقوله: (إلى قباء) يتعلق بقوله: (ردّ) وقباء وحراء فيهما ما أشار له بعضهم:
حرا وقبا أنّثهما ذكّرنهما ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصّرفا
وقباء: قرية بني عمرو بن عوف، ومسجدها الذي مدحه الله ومدح أهله بقوله ﷿: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أسسه ﷺ لبني عمرو أول يوم قدم المدينة، كان هو أوّل من وضع حجرا في قبلته، فجاء أبو بكر بحجر، ثمّ وضعه، ثمّ جاء عمر بآخر، فوضعه إلى حجر أبي بكر، فأخذ الناس في البنيان.