(وجاء) في الخبر (أنّ جبرئيل) بالهمزة قبل الياء، ﵇ (يحضر من مات) من أمّة سيدنا محمّد ﷺ (مؤمنا) وإذا رآه الشيطان.. يفرّ منه، فلا يقدر أن يغوي من أراد الله تعالى ثباته، ثبّتنا الله على الإيمان بحرمة سيدنا محمّد ﵊ (وقوم) من العلماء (أنكروا نزوله بعد رسول الله) ﷺ.
قال الناظم: (و) القول (الحق أن) هـ؛ أي: أنّ نزول جبريل (ليس له تناهي) حتى يردّ الدجال عن الحرمين.
نعم؛ لا ينزل بعد رسول الله ﷺ بالوحي بشريعة.
قال عبد الباقي في «شرحه» على «مختصر سيدي خليل»: (وما اشتهر على ألسنة الناس أنّه لا ينزل إلى الأرض بعد موت النّبيّ ﷺ.. فلا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما للطبراني في «الكبير» عن ميمونة بنت سعد قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل يرقد الجنب؟ قال:
«ما أحب أن يرقد.. حتى يتوضّأ؛ فإنّي أخاف أن يتوفّى فلا يحضره جبريل») .
قال العلّامة الشيخ محمّد الأمير عليه، أو ما معناه:
[ ١٣٨ ]
وراقب الجمعين شخصان لكي ينتهبا من مدبري الجمعين شي
فرأيا الملك وهو منطلق فانشقّ واحد والاخر صعق
(لا ينزل بتجديد شريعة) . ونقله في «مشارق الأنوار» في فوز أهل الاعتبار، جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه.
(وراقب الجمعين) أي: جمع المسلمين، وجمع المشركين (شخصان) من بني غفار (لكي ينتهبا) مع من ينتهب (من مدبري الجمعين شي) معمول ل (ينتهبا)، وقف به على لغة ربيعة؛ أي: ليأخذا شيئا.
(فرأيا الملك) جبريل ﵇ (وهو منطلق) على فرس قائلا: أقدم حيزوم (فانشقّ واحد) من الشخصين فمات مكانه، (والآخر صعق) وغشي عليه.
قال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّه حدّث عن ابن عباس ﵄ قال: حدّثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي.. حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدّبرة «١»، فننتهب مع من ينتهب، فبينا نحن في الجبل؛ إذ دنت سحابة.. فسمعنا فيها حمحمة «٢» الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم «٣» حيزوم، فأمّا ابن عمّي فانكشف
_________________
(١) الدبرة- بفتح الدال المهملة وسكون الباء-: هي الهزيمة.
(٢) حمحمة- بحائين مهملتين مفتوحتين، بينهما ميم ساكنة-: صوت الخيل.
(٣) أقدم: بهمزة قطع مفتوحة وكسر الدال، من الإقدام كما رجحه ابن الأثير، وحيزوم: اسم فرس جبريل، كما في «الروض الأنف» للسهيلي.
[ ١٣٩ ]
وابن معاذ مبتني العريش وحارس النّبيّ من قريش
قناع قلبه فمات مكانه، وأمّا أنا فكدت أهلك ثمّ تماسكت) .
وقال رسول الله ﷺ: «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة؛ وما ذاك إلّا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلّا ما رؤي يوم بدر» قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: «أما إنّه قد رأى جبريل يزع الملائكة» أي:
يصفّهم للحرب.
وقال ﵊ يومئذ: «هذا جبريل يسوق الريح كأنّه دحية الكلبي، إنّي نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .
وقال سيدنا عبد الرّحمن بن عوف ﵁: (رأيت يوم بدر رجلين، عن يمين النّبيّ ﷺ أحدهما، وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثم يليهما ثالث من خلفه، ثمّ ربعهما رابع أمامه) .
قال سيدنا عبد الله بن عباس ﵁: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا، ويوم حنين عمائم حمرا.
وقال ابن هشام: (وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر: أحد أحد) .
سعد بن معاذ وحراسته الرسول ﷺ في العريش:
(و) سعد (ابن معاذ) سيد الأوس، مبتدأ (مبتني العريش) خبره؛ فإنّه قال كما رواه ابن إسحاق:
[ ١٤٠ ]
يكره إبقاء الأسارى ويرى إهلاكهم أوّل قتل أجدرا
(يا رسول الله؛ ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثمّ نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله، وأظهرنا على عدوّنا.. كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى.. جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا؟ فقد تخلّف عنك أقوام يا نبي الله وما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنّك تلقى حربا.. ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك، ويجاهدون معك، فأثنى عليه ﷺ خيرا، ودعا له بخير، ثمّ بنى للرسول ﷺ عريشا فكان فيه) .
والعريش: شبه الخيمة يستظل به، وقال السهيلي: (هو كل ما أظلّك، وعلاك من فوقك، فإن علوته أنت.. فهو عرش لا عريش) .
وتعقبه مغلطاي بأن تفرقته بينهما لم يروها عن لغويّ، والذي في «العين»: (أنّهما: ما يستظل به) .