(وأين هم) أي: هؤلاء الخمسة المستضعفون بالزعم الكاذب (من ابنه) أي: الوليد (المجيد سميّه) أي: الموافق له في الاسم، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، المستضعف حقا، أخو خالد بن الوليد، حضر بدرا مع المشركين فأسر، فافتداه أخواه هشام وخالد، ولمّا أسلم.. حبسه أخواله، فكان النّبيّ ﷺ يدعو له في القنوت، كما ثبت في الصحيح، ثمّ أفلت من أسرهم، ولحق بالنّبيّ ﷺ في عمرة القضية.
قال الحافظ: ذكر الزّبير بن بكار عن محمّد بن الضحّاك، عن أبيه: لما هاجر الوليد بن الوليد.. قالت أمّه:
قد هاجر الوليد ربع الساقه فاشتر منها جملا وناقه
واسم بنفس نحوهم توّاقه
[ ٢٠٦ ]
سلمة عيّاش المستضعفين قنت لاستنقاذهم طه الأمين
وفي شعرها إشعار بأنّها أسلمت.
(وأخوي) بالتّثنية مجرورا بالعطف على (ابن) أي:
وأين أولئك الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم من ابن الوليد ومن أخوي (فرعون) أبي جهل شقيقه، وهو سلمة بن هشام، ولأمه وهو: عياش بن أبي ربيعة؟ وهذا مراده بقوله:
(شقيق أو للأم ذاقا) أي: الأخوان (الهونا) بضم الهاء:
الهوان من مشركي مكّة.
وقوله: (سلمة) و(عياش) يعود على قوله: (شقيق أو للأم)، على سبيل اللف والنشر المرتب، ثم وصف الثلاثة الوليد وسلمة وعياشا بقوله: (المستضعفين) أي: حقا فلأجل ذلك (قنت لاستنقاذهم) أي: خلوصهم من أيدي المشركين (طه) ﵊ (الأمين) فكان يقول:
«اللهمّ؛ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة.
وفي «صحيح البخاري» بسنده إلى أبي هريرة: بينا رسول الله ﷺ يصلّي العشاء إذ قال: «سمع الله لمن حمده» ثمّ قال قبل أن يسجد: «اللهمّ؛ أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهمّ؛ أنج سلمة بن هشام، اللهمّ؛ أنج الوليد بن الوليد، اللهمّ؛ أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهمّ؛ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ؛ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» .
[ ٢٠٧ ]
أمّا الوليد.. فإنّه أفلت من أسرهم، ولحق بالنّبي ﷺ في عمرة القضية، ويقال: إنّه مشى على رجليه لما هرب وطلبوه، فلم يدركوه، ويقال: إنّه مات ببئر أبي عتبة على ميل من المدينة المنورة قبل أن يدخل المدينة، ذكر هذا في «الإصابة» .
وأمّا سلمة.. فقال ابن عبد البرّ: (ذكر الواقديّ: أنّه لما لحق بالنّبيّ ﷺ بالمدينة- وذلك بعد الخندق- قالت له أمّه ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن بشير:
لا همّ ربّ الكعبة المحرّمه أظهر على كلّ عدوّ سلمه
له يدان في الأمور المبهمه كفّ بها يعطي، وكفّ منعمه
فلم يزل سلمة مع النّبيّ ﷺ.. إلى أن توفّي رسول الله ﷺ، فخرج مع المسلمين إلى الشام حين بعث أبو بكر ﵁ الجيوش لقتال الروم، فقتل سلمة شهيدا بمرج الصّفّر، في المحرم، سنة أربع عشرة، وذلك في أوّل خلافة عمر ﵁) .
وأمّا عيّاش بن أبي ربيعة.. فقال في «روض النّهاة»:
(لمّا أفلت الوليد منهم.. دخل مكّة ليلا، فلم يزل يتجسّس الأخبار عن صاحبيه عياش وسلمة بن هشام.. حتى لقي امرأة تحمل طعاما، فقال: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد
[ ٢٠٨ ]
واستشهدت ستّ من المهاجرين عبيدة المذكور في المبارزين
هذين المعذّبين- تعني عياشا وسلمة- فتبعها حتى عرف مكانهما، فأخرجهما من الحبس، فكسر القيد) .
وذكر الحافظ أبو عمر عن ابن سعد: أنّ عيّاشا قتل يوم اليرموك.