الاستطراد: عبارة عن إضافة معلومات إلى الموضوع الأساسي ممّا له علاقة به، لأدنى ملابسة، وقد حرص العلماء القدامى على هذا النوع من الإضافات في مؤلفاتهم، حتى إنّها كانت من حسنات التأليف وفضائله.
فليس عجبا أن يأخذ الشارح رحمه الله تعالى بهذا المبدأ جريا على عادة المؤلفين السابقين، فيمتلئ كتابه بالاستطرادات الكثيرة، والإضافات المفيدة، فيطيب له إذا وردت مناسبة لذكر فائدة، أو إضافة معلومة ذات علاقة بالموضوع أن يتحدث عنها.
ومن الاستطردات المهمة ما جاء في (ج ٢/ ص ١٦٠) بعد الانتهاء من عرض أحداث أمراء جيش مؤتة ﵃ إسهابه في التعريف بكل واحد منهم:
زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة بدءا من (ص ١٦٤- ١٨٠)، حتى وقد بدأ التعريف بهم بقوله رحمه الله تعالى:
(وحيث حدا بنا المقام إلى هؤلاء الأمراء الثلاثة.. فلا بأس أن نلم بشيء من التعريف بهم، تيمّنا بذكراهم، وإن كانوا في غنية عن التعريف؛ لشرفهم العظيم بالانتساب الحقيقي إلى الجناب النبوي رضوان الله عليهم، لكنا في شديد الحاجة إلى معرفة حياتهم في ذلك العصر النبوي؛ لنقتفي آثارهم، ونتيمن بآثارهم، ونعطر النواصي بأريج شذاهم ) (ج ٦٢ ص ١٦٤) .
_________________
(١) (ج ١/ ص ٧٨) .
[ ٢٧ ]
وبعد أن أطنب في ترجمة زيد بن حارثة ﵁.. ساقه الحديث إلى ذكر الأربعة الذين توالدوا صحابة (ج ٢/ ص ١٦٩) .
وبعد أن عددهم.. ساقه الحديث إلى الكلام عن موالي النّبيّ ﷺ، وقدم لذكرهم بمقدمة مدخلا لإيجاد المناسبة لذكرهم قائلا:
(وبمناسبة ذكر سيدنا زيد لا بأس بإتمام مواليه ﷺ تتميما للفائدة) (ج ٢/ ص ١٦٩) .
ومن الاستطرادات المهمة التي أشبع بها الكتاب ذكره حدود الحرم، وتاريخ ترسيم الحدود، لدى عرض أحداث غزوة الفتح، وفتح النّبيّ ﷺ لمكة المكرمة، وعفوه عن أهلها، وتحريمه لها، فذكر تحت عنوان (تاريخ أنصاب الحرم) (ج ٢/ ص ١٩٧) اقتباسات مهمة عن مؤرخ مكة المكرمة أبي الوليد الأزرقي، فذكر أول من نصب أنصاب الحرم، وتابع بعد هذا الحديث عن من جددها حتى عهد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ (ج ٢/ ص ١٩٧) .
وفي مناسبة أخرى لدى الحديث عن إسلام عبد الله بن أميّة القرشي المخزومي، وكان هو وأبو سفيان بن الحارث شديدي الإيذاء للنّبيّ ﷺ بمكة، وبعد الهجرة، وما كان من إعراض النّبيّ ﷺ عنه تأديبا، ثمّ شفاعة أخته أم سلمة ﵂ فيه، ثمّ عفو النّبيّ ﷺ عنهما، يقول الشارح تعليقا (ج ٢/ ص ١٩٢) .
ولكن احتضنتهما السعادة، جعلنا الله ممّن سبقت له العناية، وكتب له السعادة:
رب شخص تقوده الأقدار للمعالي وما لذاك اختيار
غافلا والسعادة احتضنته وهو منها مستوحش نفار
والشارح رحمه الله تعالى يحفظ الكثير من الشعر العذب الرقيق، ويستشهد به
[ ٢٨ ]
ما عنت له مناسبة.
وقد أبدع بعض الشعراء معنى بديعيا من قتل علي بن أبي طالب ﵁ مرحبا اليهودي مستخدما الجناس التام في البيتين التاليين، هامش (٢) (ج ٢/ ص ١٤٩) يقول الشارح ﵀:
وأشار لذلك بعضهم وأجاد بقوله:
وشادن أبصرته مقبلا فقلت من وجدي به مرحبا
قدّ فؤادي في الهوى قدة قدّ علي في الوغى مرحبا
إلى غير ذلك من الاستشهادات العديدة للمعاني الرفيعة، والخيال البديع.