ترد بعض الأحيان أحداث تختلف فيها الروايات فيفحصها الشارح ﵀ بحاسة المحدث، المؤرّخ، الخبير بترتيب الأحداث، فيخرج برأي سديد.
من هذا ما ذكره نقلا عن كتاب «الروض الأنف» للسهيلي:
(أنّ رسول الله ﷺ بلغه شيء عن أهل مسجد الضرار، وكان قد استخلف عاصم بن عدي العجلاني على قباء، والعالية، فرده لينظر في ذلك، وضرب له بسهمه مع أهل بدر) (ج ١/ ص ١٣٤) .
يقول الشارح رحمه الله تعالى في دراسة هذا وفحصه حسب الأصول العلمية:
(قلت: هكذا قالوا، ولم يكن إذ ذاك مسجد الضرار، وإنّما كان سنة تسع عند خروجه ﷺ لتبوك، فيحتمل أن يكون استخلافه ﵊ على أهل قباء والعالية من المدينة لشيء بلغه عنهم؛ ولذلك عدّ من البدريين، وضرب له بسهم، وهو المعتمد كما ذكره الحافظ في «الإصابة» أمّا ذكر مسجد الضرار.. فلا معنى له) . (ج ١/ ص ١٣٥) .
ويلجأ إلى التوفيق بين الروايات إذا أمكن، ما لم يؤدّ إلى تعارض أو تناقض، وذلك: بأن تنسب بعض الأحداث إلى بعض الصحابة، وفي روايات أخرى تنسب إلى آخرين سواهم، ولا يمنع العقل والواقع صدوره من كليهما، فيحاول الشارح رحمه الله تعالى بصفاء إيماني، وحب عميق، وإجلال وإكبار لصحابة رسول الله ﷺ.. التوفيق بينهما بمنطق مقبول، ومن الأمثلة على هذا:
ذكر الشارح ﵀: أنّ الإمام الزرقاني ذكر في «المواهب»: (عن
[ ٢١ ]
عروة: أنّه لما وضع فيه- خبيب بن عدي ﵁- السلاح نادوه- المشركون من بني لحيان فقد كان أسيرهم-: أتحب أنّ محمدا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه) .
وذكر الزرقاني رواية أخرى فقال: (ويقال: إنّ ذلك لزيد بن الدثنة، وأنّ أبا سفيان قال له ذلك) .
ويعلّق الشارح رحمه الله تعالى على هذا التعارض موفقا بين الروايتين قائلا:
(أقول: ولا منافاة، فمن الممكن أن يقع ذلك لكل من الصحابيين، وغايتهم واحدة، هو الله ورسوله ﷺ) (ج ٢/ ص ٥٣) .