(و) لما ألقى النّبيّ ﷺ قتلى المشركين في القليب (كلّم النّبيّ) ﷺ (جثثهم): جمع جثة، وهو الشخص (موبّخا) أي: ملوّما (ل) - لمشركين المشبّهين با (لخشب) تشبيها بليغا في عدم النفع، وهو بضمّتين جمع خشبة، وفي التنزيل في صفة المنافقين: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، وفي الحديث في صفتهم أيضا: «خشب بالليل، صخب بالنهار» أراد أنّهم ينامون الليل لا يصلون، كأنّ جثثهم خشب مطروحة.
_________________
(١) - أبو جهل: هل أعمد من رجل قتلتموه؟) قال في «الفتح»: (أعمد- بالمهملة-: أفعل تفضيل من عمد؛ أي: هلك، يقال: عمد البعير يعمد عمدا بالتحريك، إذا ورم سنامه من عض القتب، فهو عميد، ويكنى بذلك عن الهلاك) اهـ
[ ١٥٥ ]
وأشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ما ذكره الحافظ اليعمريّ في «العيون» قال: (روينا عن ابن عائذ، أخبرني الوليد بن مسلم، أخبرني سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة «١» ثلاثا، فلمّا كان يوم بدر..
أقام ثلاثا، وألقى بضعة وعشرين رجلا من صناديد قريش في طويّ من أطواء بدر، ثمّ أمر براحلته، فشدّ عليها رحلها، فقلنا: إنّه منطلق لحاجة، حتّى وقف على شفى الرّكي، فجعل يقول: «يا فلان بن فلان؛ ويا فلان بن فلان »)
الحديث.
قال العبد الضعيف: وتمامه: «هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني الله حقا» فقال عمر ﵁: يا رسول الله؛ كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنّهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئا» .
قال الحافظ اليعمريّ: (روينا من طريق مالك بن سليمان الهرويّ قال: حدّثنا معمر، عن حميد الطويل، عن أنس، وفي آخره قال قتادة: أحياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله ﷺ، توبيخا لهم) .
_________________
(١) العرصة بوزن الضربة: كل بقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء. اهـ «مختار»
[ ١٥٦ ]
هذا حمل لهذا الخبر على ظاهره، وقد روينا عن عائشة ﵁: أنّها تأوّلت ذلك، وقالت: إنّما أراد النّبيّ ﷺ: أنّهم الآن ليعلمون أنّ الذي أقول لهم هو الحق، ثمّ قرأت: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الآية.
قال السهيليّ في «الروض»: (وعائشة لم تحضر- يعني بدرا- وغيرها ممّن حضر أحفظ للفظه ﵊، وقد قالوا له يا رسول الله؛ أتخاطب قوما قد جيّفوا، أو جيفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين.. جاز أن يكونوا سامعين: إمّا بآذان رؤوسهم، إذا قلنا: إنّ الروح يعاد إلى الجسد، أو إلى بعض الجسد عند المسألة، وهو قول الأكثرين من أهل السنة.
وإمّا بأذن القلب، أو الروح، على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح، من غير رجوع منه إلى الجسد أو بعضه.
وقد روي أنّ عائشة احتجّت بقوله الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وهذه الآية كقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ أي: أنّ الله تعالى هو الذي يهدي، ويوفّق، ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت.
وجعل الكفار أمواتا، وصمّا على جهة التشبيه بالأموات، وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيّه، ولا أحد؛ فإذن لا تعلق بالآية من وجهين:
أحدهما: أنّها نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان.
[ ١٥٧ ]
وعاين النّاس المصارع الّتي أخبرهم بها مقيم الملّة
والآخر: أنّه إنّما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله؛ فإنّه لا يسمعهم إذا شاء إلّا هو، ويفعل ما شاء، وهو على كل شيء قدير) اهـ
إخبار الرسول بمصارع المشركين بأسمائهم قبل القتال:
(وعاين) أي: أبصر (الناس) أي: الصحب الكرام (المصارع) جمع مصرع، وهو موضع الصرع؛ أي:
الطرح.
قال في «المصباح»: الصريع من الأغصان: ما تهدّل وسقط إلى الأرض، ومنه قيل للقتيل: صريع، والجمع:
صرعى.
والمعنى: وأبصر المسلمون مواضع صرع الكفار (التي أخبرهم بها) أي: بالمصارع (مقيم الملة) ﷺ.
قال في «المواهب»: (وفي «الطبراني» عن أنس ﵁ قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدّثنا عن أهل بدر فقال: إنّ رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر: يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى» قال عمر: فو الذي بعثه بالحقّ؛ ما أخطؤوا الحدود التي حدّها ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال:
«يا فلان بن فلان؛ ويا فلان بن فلان؛ هل وجدتم ما وعدكم الله حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني الله حقا») .
[ ١٥٨ ]
فحقّق الله له ما وعدا وأوهن الكفر وأيّد الهدى
قال العبد الضعيف: وحملت الناس فيما ذكر على الصحب الكرام، على معنى أنّ ما أخبرهم به رسول الله ﷺ الصادق الأمين في شأن كفار قريش هو حق، وآمن به الصحب، وبمشاهدة ذلك قد ازداد الإيمان عيانا، والبيان بيانا، فهو من باب (عين اليقن) وفيه علم من أعلام النبوّة باهر.