قال الناظم:
(لو طاوعوا عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، الذي قال فيه النّبيّ ﷺ وقد رآه على جمل له أحمر: «إن يكن فيهم خير، ففي صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» (أو حكيما) ابن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أمّه فاختة بنت رهين، ولدته في جوف الكعبة، وطرحت ثيابها التي ولدته فيها في الحطيم، وذلك شرع الجاهلية، وتسمّى تلك الثياب: اللقى، بوزن الفتى، قال الشاعر:
فواحزنا كرّي عليه كأنّه لقى بين أيدي الطائفتين صريم
نجا يوم بدر، وأسلم يوم الفتح، ﵁.
(أو) عمير (ابن وهب) بن خلف بن حذافة بن جمح، قال في «روض النّهاة»: (ويقال له: شيطان العرب، وقد أسلم ﵁) (ما رأوا) أي: كفار قريش (أليما) .
(لكونهم) أي: لكون المذكورين (إلى القفول) أي:
الرجوع عن القتال (أرشدوا) قومهم (من بعد ما) يظهر أنّها مصدرية (أشفوا) قال في «القاموس» و«شرحه»: (أشفى
[ ١٢١ ]
على الشيء: أشرف، وحصل على شفاه، وهو يستعمل في الشر غالبا) أي: من بعد إشرافهم (على ما) أي: القتال الذي (وردوا) بدرا لأجله.
وأشار الناظم في هذه الأبيات إلى ما ذكره ابن سيد الناس في «العيون»، وابن كثير في «البداية» كلاهما عن ابن إسحاق قال: (حدّثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لمّا اطمأنّ القوم..
بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ فقالوا: احزر لنا أصحاب محمّد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثمّ رجع إليهم، فقال: ثلاث مئة رجل، يزيدون قليلا، أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين، أو مدد، قال: فضرب في بطن الوادي.. حتّى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكن رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة، ولا ملجأ إلّا سيوفهم.
وفي «السيرة الشامية»: أما ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي «١»، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم..
حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم عدادهم.. فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم.
_________________
(١) تلمظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه، وأخرج لسانه فمسح به شفتيه.
[ ١٢٢ ]
وقال عمرو وبأنفه شمخ ثانية سحر عتبة انتفخ
فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك.. مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنّك كبير قريش، وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي «١»، قال:
قد فعلت، أنت عليّ بذلك، إنّما هو حليفي، فعليّ عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية- يعني أبا جهل- ثمّ قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمّدا وأصحابه شيئا، والله؛ لئن أصبتموه..
لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمّد وبين سائر العرب، فإن أصابوه.. فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك.. ألفاكم، ولم تعرّضوا منه ما تريدون) .
وإلى هنا انتهى ما دار من المفاوضة بين الثلاثة وأبي جهل.