ثمّ أراد إتمام عدّ المستضعفين في زعمهم، وهم أربعة سوى العاصي، فقال:
(وهم عليّ بن أميّة) بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح (الردي) أي: الهالك بالموت على الكفر، والعياذ بالله تعالى؛ فإنّه قتل يوم بدر مع أبيه كافرين.
قال ابن إسحاق: (حدّثني يحيى بن عباد وعبد الله بن أبي بكر وغيرهما، عن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان أميّة بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبد الرّحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة، فيقول: يا عبد عمرو؛ أرغبت عن اسم سمّاكه أبواك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنّي لا أعرف الرّحمن،
[ ٢٠٠ ]
فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أمّا أنت.. فلا تجيبني باسمك الأوّل، وأمّا أنا.. فلا أدعوك بما لا أعرف.
قال: وكان إذا دعاني: يا عبد عمرو.. لم أجبه، قال:
فقلت له: يا أبا عليّ؛ اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: فقلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به.. قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه عليّ، وهو آخذ بيده، قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها، فلمّا رآني.. قال: يا عبد عمرو، فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك فيّ؟ فأنا خير لك من هذه الأدرع التي معك. قال: قلت: نعم، ها الله ذا، قال:
فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط! أما لكم حاجة في اللبن؟ ثمّ خرجت أمشي بهما) .
قال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه عن عبد الرّحمن بن عوف قال: قال لي أميّة بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما:
يا عبد الإله؛ من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟
قال: قلت: حمزة، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرّحمن: فوالله إنّي لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذّب بلالا بمكة على الإسلام، فلمّا رآه.. قال: رأس
[ ٢٠١ ]
الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أي بلال؛ أبأسيري، قال: لا نجوت إن نجا، قال: ثمّ صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله؛ رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا، حتى جعلونا في مثل المسكة «١»، فأنا أذبّ عنه قال: فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أميّة صيحة ما سمعت بمثلها قطّ، قال: قلت: انج بنفسك ولا نجاء به، فو الله ما أغني عنك شيئا، قال: فهبروهما بأسيافهم، حتى فرغوا منهما قال: فكان عبد الرّحمن يقول: يرحم الله بلالا، فجعني بأدراعي وبأسيريّ) .
وهكذا رواه البخاريّ في «صحيحه» قريبا من هذا السياق.