وفي خبر أبي رافع مع أبي لهب دليل على تقدم إسلامه على بدر، وهو ما رواه ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ، قال: (كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف منهم رجل، إلّا بعث مكانه رجلا.
فلمّا جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش.. كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزّا، قال: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إنّي لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة،
[ ١٩٠ ]
وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر.. إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ، حتى جلس على طنب الحجرة «١» فكان ظهره إلى ظهري.
فبينما هو جالس؛ إذ قال الناس: هذا أبو سفيان واسمه: المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب- قد قدم، قال: فقال له أبو لهب: هلمّ إلي، فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال يا ابن أخي:
أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلّا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس.
لقينا رجال بيض، على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق «٢» شيئا، ولا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثمّ قلت:
تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة.
قال: وثاورته «٣»، فاحتملني وضرب بي الأرض، ثمّ برك عليّ يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته، فضربته به ضربة،
_________________
(١) أي: طرفها.
(٢) تليق: تبقي.
(٣) وثبت إليه.
[ ١٩١ ]
فلعت «١» في رأسه شجّة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام مولّيا ذليلا، فوالله ما عاش إلّا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة «٢» فقتلته) اهـ
وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته؛ لأنّ قريشا تتشاءم بالعدسة، كما تتشاءم بالطاعون، فلمّا خاف بنوه السّبة- أي:
العار-.. حفروا له، ودفنوا جنازته بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتّى واروه.
ويروى عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنّها كانت لا تمرّ على مكان أبي لهب هذا، إلّا نشرت ثوبها حتى تجوز.
توفي العباس بالمدينة سنة (٣٢) وجزع عليه ابنه سيدنا عبد الله ﵄، حتى دخل عليه أعرابي فأنشده:
اصبر نكن بك صابرين فإنّما صبر الرعية بعد صبر الراس
خير من العباس صبرك بعده والله خير منك للعباس
فكان أجمل عزاء.