وللإمام البخاري في تعديل الرجال وتجريحهم، ونقد المتون، ونقد الرواية شروط عالية دقيقة، وشفوف نظر، وملكة عجيبة اكتسبها من طول ما بحث، ونقد، ومن طول ما عرض له من علل الأسانيد والمتون وذلك: كالنطاسي البارع الذي يحصل له من طول ملازمته لمهنة الطب وكثرة ما عرض عليه من الأمراض، نوع من العلم، قد يصل إلى حد الإلهام، بالعلل والأمراض، والوقوف على حقيقتها ومكامنها مهما كانت خفية، أو كانت عوارضها غير واضحة. وكالصيرفي الماهر الذي اكتسب بطول ملازمته الصيرفة التمييز بين النقود الجيدة السليمة، والنقود الزائفة وربما تسأله عن السبب في الحكم عليها فلا يجيب.
وهذه الملكة في التمييز بين الصحيح من الحديث والعليل تكاد تكون عند معظم أئمة الحديث وجهابذته، وإن كانوا يتفاوتون فيها على حسب الأصالة في النقد والاستعداد، وسعة الاطلاع ولعلك لمحت هذا التنظير بين المحدثين والأطباء في كلمة الإمام مسلم للبخاري: (يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله) وبين المحدثين والصيارفة في تعبيرهم عن نقاد الحديث: (صيارفته).
_________________
(١) في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".
[ ١ / ٣٩ ]