٣٩ - * روى البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نُفيلٍ بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فقُدمت إلى النبي ﷺ سُفرةً، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسمُ الله عليه، وأن زيد بن عمروٍ كان يعيبُ على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له.
٤٠ - * روى البخاري قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله - ولا أعلمهُ إل تحدث به عن ابن عمر - أن زيد بن عمرو بن نُفيلٍ خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيدٌ: ما أفرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأني أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دينُ إبراهيم؛ لم يكن يهوديًا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فخرج زيدٌ فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحملُ من لعنةِ الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأني أستطيع؟ فهل تدلُّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيدٌ قولهم في إبراهيم - ﵇ - خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهدُ أني على دين إبراهيم.
٤١ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: رأيتُ زيد بن
_________________
(١) ٤٠ - ٤١ - هذه الأحاديث الثلاثة أخرجها البخاري: (٧/ ١٤٢ - ١٤٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٢٤ - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل. بلدح: هو مكان في طريق التدميم بمكة، ويقال: هو وادٍ. أنصابكم: الأنصاب جمع نَصب، وهي الحجارة التي كانوا
[ ١ / ١٧٧ ]
عمرو بن نُفيل قائمًا مُسندًا ظهرهُ إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنتهُ: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها.
٤٢ - * روى أبو يعلي عن سعيد بن زيدٍ، قال: سألتُ أنا وعمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو، فقال: "يأتي يوم القيامة أمةً وحده".
أقول:
ذكرت هذه الروايات عن زيد بن عمرو بن نفيل ههنا للإشعار بأنه كانت قبل البعثة تطلعات لدين يروي ظمأ القلوب العطشى إلى الحق، ولكن هذه التطلعات كانت ترتد خائبة، فتجتهد، وكل ما تصل إليه كان محدودًا، وهذا كله من أعلام نبوته ﷺ، فالناس بحاجة إلى دين صحيح، والاجتهادات لا تغني فتيلًا في هذا الشأن عن الوحي المعصوم، فأن يظهر رجل يروي الظمأ ويقيم صرح دينٍ كله حق يملأ الساحة البشرية إلى قيام الساعة فذلك وحده دليل على أن الرجل رسول الله وعلى أن دينه دين الله.
ضلال العرب في عقائدهم وفساد تصرفاتهم:
٤٣ - * روى البخاري عن ابن عباس - ﵄ - قال: إذا سَرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ
_________________
(١) = ينصبونها ويذبحون عليها القرابين. وقول زيد: "إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم" يشعر بأنه توهُم أن هذا الذي دعي إليه قد ذبح على الأنصاب، ولم يكن الأمر كذلك" فرسول الله ﷺ كان يتحاشى هذا وأمثاله من أمر الجاهلية، وما ورد من روايات تفيد ذلك فمرجعها إلى اختلاط بعض الرواة. الموءودة: هي الطفلة التي كانوا يدفنونها وهي حية، وذلك أنهم كانوا إذا ولد لهم بنت حفروا لها حفرة ودفنوها فيها وهي حية، يحملهم على ذلك الغيرة - في زعمهم - والبخل، فحرم الله ذلك.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٧) - كتاب المناقب - باب ما جاء في زيد بن عمرو بن نفيل: رواه أبو يعلي، وإسناده حسن.
(٣) البخاري (٦/ ٥٥١) ٦١ - كتاب المناقب - ١٢ - باب قصة زمزم وجهل العرب.
[ ١ / ١٧٨ ]
سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١).
أقول:
تذكر الآيات فيما بعد ذلك من سورة الأنعام أن العرب حرموا الإناث من الأنعام كما اعتبروا أن ما يفعلونه من كفر وشرك يمثل مشيئة الله، وتذكر هذه الآيات تكذيب العرب بالآيات واليوم الآخر، وإشراكهم بالله ﷿، ولو أنك تتبعت نصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عما كان عليه العرب وغيرهم قبل البعثة النبوية لرأيت عجبًا، ولخلصت إلى أن من أعلام النبوة أن يبعث الله محمدًا ﷺ والحال على ما هي عليه، لأنه لا أمل في أي نوع من الهداية للبشرية إلا بهذه البعثة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢).
٤٤ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاحُ الناس اليوم يخطبُ الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه،
_________________
(١) البخاري (٩/ ١٨٢ - ١٨٣) ٦٣ - كتاب النكاح - ٣٦ - باب من قال: لا نكاح إلا بولي. وأخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢). الطمث: الحيض والدم. الاستبضاع: هو استفعال من البضع وهو الجماع، وذلك أن تطلب المرأة جماع الرجل لتنال منه الولد فقط، القافة: الذين يشبهون بين الناس، فيثبتون النسب بالشبه، فالتاط به: أي ألصقه بنفسه وجعله ولده.
(٢) الأنعام: ١٤٠.
(٣) البينة: ١/ ٣.
[ ١ / ١٧٩ ]
فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن راياتٍ تكن علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطتة به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمدٌ ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم.
أقول:
هذا نموذج على ما كان عليه الحال في الجاهلية، فإذا ما عرفت أن بعض النساء كن يطفن بالكعبة عاريات أدركت أين وصل الإسفاف في العبادات وفي العلاقات، فإذا ما اجتمع لذلك عبادة الأصنام عرفت الرحمة الإلهية بالبشرية إذ بعث الله محمدًا ﷺ فأعطى أصفى أنواع التوحيد وأرقى أنواع العبادة وأطهر أنواع المعاملات والآداب.