إن أعظم احتياجات البشر على الإطلاق هي حاجتهم إلى دين، يعطيهم تصورات صحيحة، ويطلق طاقاتهم في طريق مستقيم وبسلوك قويم، والرسل من بين خلق الله تعالى هم الذين قدموا للبشرية ذلك من خلال الدعوة والقدوة، أما من سواهم من أمراء وملوك وشعراء وأدباء وغير ذلك ممن ليسوا على قدم الأنبياء فهؤلاء مهما أعطوا البشرية فإنهم يعطونها ما هو دون الاحتياج الأعظم، بل هم يضلونها ويعذبونها، وفي كل الأحوال فهم لا يشكلون القدوة الرفيعة للإنسانية الجديرة بالاحترام.
هذا هو المحور الرئيسي للمحاضرة الأولى التي سار فيها المؤلف على الترتيب التالي:
أ - الحديث عن مكانة الإنسان في هذا الكون، ومحله في تسلسل مراتب الكمال الحياتي، وأنه أُعطِيَ استعدادًا للكمالات فاقت ما أُعطيه كل مخلوق، وقد سخر الله له المخلوقات كلها.
ب - هذا الإنسان عنده استعداد للعدل والعلم كما أن عنده استعدادًا للظلم والجهل، وهو بدون هداية الأنبياء يغلب عليه الظلم والجهل، بينما تجعله هداية الأنبياء سائرًا في طريق العدل والعلم، والبشرية لم يزل مستقرًا في ضميرها حب العلم والعدل، ولذلك فقد استقر في ضميرها تقديس الأنبياء والرسل، وازدراء الظالمين والجاهلين.
ج - وإذا كان الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - هم الذين دعوا بالحال والمقال إلى العدل والعلم، فقد استقامت بهم الحياة، وتحقق بهم فلاح الإنسان وصلاحه وسعادته، بينما نجد غيرهم في تاريخ البشرية قد لمعت أسماؤهم، ولكن من منهم ترك لمن أتى بعده أسوة
[ ١ / ١٠٠ ]
يتأسى بها في تعميم الخير؟ ومن منهم إذا اهتدى الناس بهديه ينجون من المهالك ويسلكون سبل السعادة والهناء؟ ومَن مِن هؤلاء مَن استعملوا سيوفهم البواتر في قطع حبائل العقائد الفاسدة، وتخليص العقول من الأوهام الواهية والأفكار الباطلة؟ ومَن منهم من وقف حياته على حل معضلات بني آدم، وكان حريصًا على عقد أواصل الإخاء بينهم على الحق والتواصي بالخير؟ وهل يوجد في حياة من ذكرنا من هؤلاء العظماء ما يستعين به بنو الإنسان على تخفيف ما يعانونه من الغمرات في حياتهم الاجتماعية؟ أم في أخلاقهم وأعمالهم ما ييسر للإنسانية الشفاء من أمراضها الخلقية وأوصابها النفسية؟ أم في دعوتهم ما يجلو صدأ القلوب ورينها، أو يرتق فتقًا في الحياة الاجتماعية؟
وقد تحدث المؤلف حديثًا مستفيضًا عن أصناف من الأعلام شعراء وكتاب وقانونيين واجتماعيين وأمراء وملوك، وأقام الدليل على أن هؤلاء ليسوا في منصب الإصلاح الحقيقي، مهما كان شأنهم إذا قورنوا بالأنبياء.
ثم تحدث عن الأنبياء والمرسلين الذين لم يترك الله أمة إلا وقد أرسل لها طائفة منهم وأن كل لمعة خير في قلب أو في أمة إنما هي بقايا فطرة وأثر دعوة نبي.
وبعد أن يقارن بين آثار الملوك والجبابرة وبين آثار الأنبياء، وبين ما تجيش به العواطف والقلوب نحو الأنبياء، وبين تأثيرات الملوك على القلوب والعواطف، يقول:
أظنكم قد استمعتم لما ألقيت عليكم من الأدلة العقلية والبراهين التاريخية، وإخالها قد تركت فيكم أثرًا أورث في قلوبكم يقينًا بأنه لم تكن طائفة من الناس أصلحت من فساد الأخلاق، وقومت من عوجها، وهذبت النفوس، وهدتها من ضلال، مثل الذي قام به الأنبياء ﵈، فهم الذين أصلحوا الحياة الاجتماعية، وعلموا الناس الاقتصاد في المعيشة، والاعتدال في كل شيء، وهم الذين أقاموا العدل في الدنيا، وحكموا بالقسط بين الناس، وزكوا القلوب، وأخذوا بيد الإنسانية إلى الحق والخير وأنقذوها من حمأة الرذائل، وأن الله سبحانه قد بعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات - ظلمات العقائد، وظلمات الأخلاق، وظلمات الأعمال - إلى النور - نور الإيمان، ونور الخلق الكريم، ونور العمل
[ ١ / ١٠١ ]
الصالح -، وتركوا بعدهم سنة للناس يتبعها السوقة ويعمل بها الملوك، وينتفع بها صغار الناس وكبارهم، ويتمتع بخيراتها الأغنياء والبؤساء على السواء، وإن مثل الأسوة بهم كمثل عين ثرةٍ فياضة تروي البلاد وتسقي العباد، يشرب منها كل عطشان بقدر حاجته، ويرتوي بمائها العذب الزلال كل ظمآن فينقع غلته.
وبعد ذلك يتحدث عن أعلام الأنبياء في القرآن، ويذكر المعالم الكبرى لشخصية كل نبي، وأن مجموع هذه المعالم هي التي تحتاجها الحياة البشرية.
ثم تحدث عن دور البناة جميعًا في الحياة البشرية من مهندسين وأطباء وحكماء وأنصف الجميع، ثم برهن على أن ذلك كله بالنسبة لاحتياجات البشرية هو الجانب الأدنى إذا قورن باحتياجات البشر إلى هداية الأنبياء.
وبعد هذا خلص إلى الحديث عن الدعوة والقدوة في حياة الأنبياء، وكمالهما وتكاملهما، وذلك هو المظهر الأرقى للرشد والإرشاد في حياة البشرية.
تلك هي بعض معالم المحاضرة الأولى التي بينت عظم الفضل وعظيم العمل الذي قام به الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فطوقوا جيد البشرية بالمنِّة.
* * *
(٢)