وبعد أن برهن المؤلف على أن الرسالة المحمدية لكل الأمم، وأن على جميع الشعوب والأفراد أن يدخلوا فيها، ختم محاضراته بالمحاضرة الثامنة التي تحدث فيها عن حقية هذه الرسالة، وعن حقية مضموناتها، وعن بعض أياديها على البشرية، وعن احتياجات البشرية حالًا واستقبالًا لها.
تحدث عن مظاهر متعددة من انحراف البشر قديمًا وحديثًا، وكيف أن الرسالة المحمدية صححت، وأنها وحدها أعطت الحلِّ الصحيح والجواب لمشكلات البشرية ولتساؤلاتها.
تحدث بالنسبة للذات الإلهية عما وقعت فيه البشرية من تشبيه وتمثيل، وكيف أن الإسلام صحح ذلك.
وأن نظريات الخير والشر وفلسفة الخير والشر وأسباب الخير والشر، كل ذلك قد وجدت فيه أخطاء، وجاء الإسلام فصحح ذلك.
وأن فكرة تعذيب الأجسام أصبحت جزءًا من كل الديانات، فجاء الإسلام وحسم ذلك.
وأن فكرة الانتحار تضحية لله في زعمهم أو فرارًا من ألم كانت ولا زالت جزءًا من تفكير
[ ١ / ١٢٦ ]
الإنسان، وجاء الإسلام فأبطل ذلك وحرمه.
وأن فكرة قتل الأولاد أو وأد البنات أو حرق المرأة نفسها بعد وفاة زوجها كانت في بعض الأديان، ولا زالت في بعضها بصور شتى، وجاء الإسلام فحرم ذلك وأبطله.
ومن أكبر الجرائم التي اقترفتها الأمم ولا تزال باقية في بلاد لم تبلغها دعوة الإسلام ولم تشرق أنواره في أرضها، أنهم جعلوا ثراء المال ونقاء الدم وشرف النسب وكرم المحتد ولون البشرة أساس الكرامة ورأس ما يتفاضلون به ويتفاخرون، فجاء الإسلام بأسس جديدة هي وحدها الأسس الحميدة في تقويم الإنسان.
وكانت حياة الرقيق والمستعبدين والأسرى لا تطاق، فجاء الإسلام برحمته الشاملة، ففتح الباب لتحرير الرقيق، ووضع الأساس لحسن التعامل مع الأسير.
ولقد وجد من فرَّق بين الدين والدنيا، وجاء الإسلام فألغى هذا التناقض، ولقد جاء الإسلام وفي العالم رهبانية وعزلة رهيبة عن الحياة فوضع الأمور مواضعها، فهناك واجبات حياتية لا يسع أحدًا أن يفرط فيها.
وفي شأن المرأة كانت ولا زالت أخطاء، وفي شأن الأسرة كانت ولا زالت أخطاء، وفي شأن السلم والحرب، وفي شأن الحياة الاقتصادية كانت ولا زالت أخطاء، وفي علاقات الشعوب مع بعضها البعض، وفي نظرة الإنسان إلى الإنسان، جاء الإسلام مصححًا وموجهًا ومعلمً ومربيًا وقاطعًا الطريق على الانحراف.
كل ذلك بعض أيادي الإسلام على البشرية، وكل ذلك وغيره تحتاجه البشرية بلا استثناء، وكل ما في الإسلام حق وعدل.
فيا شعوب هذا العالم ويا أبناءه ليس أمامكم إلا الإسلام فآمنوا به والتزموا هديه.
وقد عرض المؤلف هذه المعاني كلها أجمل عرض وأقواه وضرب له من الأمثلة ما يشفي ويغني.
وقد ترددت كثيرًا أن أجعل هذا التلخيص جزءًا من هذه المقدمة لطوله، ولكن غلبني أسره فأثبته.
* * *
[ ١ / ١٢٧ ]
وعلى كل حال فقد عرفنا من هذه المحاضرات القيمة الكبرى لدراسة كل ما له علاقة بالرسالة المحمدية، وعرفنا أن السيرة النبوية لا تعني فقط أن ندرس بعض أحداث هذه السيرة تاريخيًا، وقد أصاب الشيخ محمد الغزالي عندما ختم كتابه (فقه السيرة) بهذه الكلمات:
قد تظن أنك درست حياة محمد ﷺ إذا تابعت تاريخه من المولد إلى الوفاة، وهذا خطأ بالغ، إنك لن تفقه السيرة حقًا إلا إذا درست القرآن الكريم والسنة المطهرة. وبقدر ما تنال من ذلك تكون صلتك بنبي الإسلام ﷺ. أهـ.
* * *
ولقد صحح ما نقلناه عن الشيخ سليمان الندوي بعض المفاهيم والأغلاط ورسَّخ بعض المعاني، وقد آن الأوان لنكمل أغراض هذه المقدمة في التصحيح والترسيخ فأقول:
السيرة في الاصطلاح هي التأريخ لحياته - ﵊ - كما جرت عليه عادة كتاب السيرة. فالسيرة من هذه الحيثية يدخل فيها جزء من أفعاله وأقواله وتاريخه ﷺ وفي السيرة بالمعنى الاصطلاحي يقع بعض الناس في أغلاط.
من هذه الأغلاط أن بعضهم يعتبر السيرة النبوية بالمعنى الاصطلاحي وكأنها المصدر التشريعي الوحيد الذي تستخرج منه الأحكام، وبعضهم يستخرجون من السيرة قواعد وعموميات ويحاولون تطبيقها على جزئيات حياتية قد تدخل فيها وقد لا تدخل، وأحيانًا يفرضون على الأمة ألا تخرج على ما يستنبطون، ويحرمون على الأمة ألا تسير على ما يستخرجون، وهناك ناس يعتبرون أفعال رسول الله ﷺ كلها على حد سواء في فرضية الاقتداء، وهناك ناس يعطون أنفسهم حق التمييز بين أفعال الرسول ﷺ فهذا سنة وهذا مباح، وهذا فعَله بحكم رئاسته للدولة، وهذا فعله بحكم أنه مشرع للأمة، يعطون أنفسهم هذا الحق وهم ليسوا مؤهلين لذلك، وهذا كله يستدعي توضيحًا.
إن أفعال الرسول ﷺ كلها جزء من سنته، وسنته هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، ومصادر التشريع الأصلية أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما المصادر
[ ١ / ١٢٨ ]
الفرعية فمتعددة وهي محلُّ خلاف بين المذاهب الأربعة، ومنها: الاستحسان والاستصحاب والاستصلاح .. إلخ.
والمسلمون بمجموعهم مكلفون أن يسيروا على ضوء حكم الله في الواقعة التي تواجههم، والمسلم مكلف بالسير على ضوء حكم الله في الواقعة التي تواجهه، وحكم الله يؤخذ من المصادر الأصلية والفرعية، وتطرأ عليه طوارئ بسبب من ظروف خاصة زمانًا أو مكانًا أو شخصًا، فما دام المسلم ملتزمًا بحكم الله وبالفتوى المبصرة من أهلها فهو على إسلام، وهو على سنة، وهو مقتد برسول الله ﷺ ويدخل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) وهكذا لا تقيد الأمة الإسلامية ولا الفرد المسلم إلا بهذا القيد، وهو الفتوى البصيرة من أهلها.
فإذا اتضح هذا نقول: إن من مصادر التشريع - التي تبني عليها الفتوى - السنة، وأفعال الرسول جزء من السنة النبوية وسيرته من أفعاله، وللأصوليين مباحث بخصوص هذا الشأن منها: هل إذا فعل رسول الله ﷺ فعلًا فذلك يفيد الوجوب إلا إذا وجدت قرينة، أم أنه لا يفيد الوجوب إلا إذا وجدت قرينة؟ هناك وجهتا نظر.
قال أبو حامد الغزالي في (المنخول):
والمختار عندنا وهو مذهب الشافعي - ﵁ - أنه إن اقترن به قرينة الوجوب كقوله ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فهو للوجوب. وإن لم يقترن نظر، فإن وقع من جملة الأفعال المعتادة، من أكل، وشرب، وقيام وقعود، واتكاء، واضطجاع، فلا حكم له أصلًا. وظن بعض المحدثين أن التشبه به في كل أفعاله سنة، وهو غلط؛ وإن تردد بين الوجوب والندب، فإن اقترنت به قرينة القربة فهو محمول على الندب، لأنه أقل، والوجوب متوقف فيه. وإن تردد بين القربة والإباحة، فيتلقى منه رفع الحرج، وليس هذا متلقى من صيغة الفعل، إذ الفعل لا صيغة له، ومستنده مسلك الصحابة فإنا نعلم أن الممنوع من فعل فيما بينهم، لو نقل عن الرسول ﷺ فعله لفهموا منه رفع الحرج.
_________________
(١) الأحزاب: ٢١.
[ ١ / ١٢٩ ]
وأما الإباحة فلا نتلقاه، فإنه حكم يقتضي التخيير مع تساوي الطرفين، وهو يناقض الندب، والفعل متردد بينه وبين رفع الحرج، فأقل الدرجات رفع الحرج.
فإن تمسك أبو حنيفة - ﵀ - بإجماع الأمة على كون النبي - ﵇ - أسوة وقدوة ومطاعًا، وشرطه الاقتداء به في كل ما يأتي ويذر.
قلنا: معناه أن أمره ممتثل، كما يقال: الأمير مطاع في قومه، ولا يراد به أنهم يتربعون إذا تربع، أو ينامون إذا نام.
فإن تمسك بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) فكل ذلك محمول على الأمر، وهو الذي أتانا به دون الفعل.
وهل الأصل فيما لم يفعله الرسول ﷺ الحرمة أو الإباحة؟ الذي عليه جماهير الأمة سلفًا وخلفًا أن الأصل في الأشياء الإباحة، ومن هنا ندرك خطأ الذين يقولون: هات الدليل على أن هذا الشيء فعله رسول الله ﷺ لكي يعتبر جائزًا، الصواب أن يقال: هات الدليل على أن الرسول ﷺ حرّمه، فشيء لم يفعله ولم يأمر به ولم ينه عنه فالأصل فيه الجواز.
إذا اتضحت هذه المعاني فإننا نستطيع أن ندرك كثيرًا من الأخطاء، خطأ الذين يحرمون شيئًا لأن رسول الله ﷺ لم يفعله، وخطأ الذين يعتبرون أن مجرد فعل الرسول ﷺ يفيد الفرضية.
لقد وجد ناس قرأوا السيرة فاستخرجوا منها أن المنحى العام لرسول الله ﷺ في إقامة الدولة الإسلامية كان على طريقة معينة: دعوة دون قتال مع طلب النصرة ثم هجرة ثم ، وبناء عليه فن الأمة الإسلامية يفترض عليها أن تسير على نفس المنحى، مع أن الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية تختلف، والأحكام قد اكتملت ولم يعد النسخ في الشريعة متصورًا، والعبرة لآخر ما استقر عليه التشريع، ومن ثم فالمسلم مكلف في ما
_________________
(١) الحشر: ٧.
(٢) النور: ٦٣.
(٣) آل عمران: ٣١.
[ ١ / ١٣٠ ]
يواجهه أن يبحث عن حكم الله، والأمة الإسلامية مقيدة في سيرها بحكم الله، فقد يكون حكم الله القتال ابتداء، وقد يكون غير ذلك.
وأفعال الرسول ﷺ منها ما يفيد الإباحة، ومنها ما يفيد السنية، ومنها ما يفيد الوجوب، والقرائن هي التي تحدد، وحتى أوامره ونواهيه ﷺ للقرائن دخل في فهم الوجوب أو الحرمة منها، وفهم هذه القضية بالمكان الأعلى من فقه الحركة، صحيح أن من قلد رسول الله ﷺ في أفعاله غير المنسوخة فهو مأجور في كل حال، ولكن هذا شيء وادعاء الفرضية أو الحرمة شيء آخر.
ولاشك أن بعض أفعال رسول الله ﷺ ينطبق عليه وصف السياسة الشرعية، وبالتالي فبعض أفعاله جزء من السياسة اليومية التي كان يفعلها رسول الله ﷺ بحكم إدارته لشؤون المسلمين.
ولكن هل كل أحد مرشح لأن يقول عن أفعال رسول الله ﷺ إن هذا يفيد السنية، وهذا يفيد الوجوب؟ وهل كل إنسان مرشح لأن يقول: هذا من السياسة اليومية وهذا من التشريع الدائم؟
إن هناك معلومات من الدين بالضرورة يستوي في معرفتها والفتوى بها العام والخاص ولكن ما سوى ذلك من أمور مشتبهات لا يستطيعها إلا مجتهد استشرف نصوص الكتاب والسنة واستوعب الكليات والجزئيات، أمثال هؤلاء هم المرشحون للبيان قال - ﵊ - في الحدث الصحيح: "وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس" وإذن فهناك م يعلمها وهم الأئمة المجتهدون، ولخطورة أن يتكلم في هذا الموضوع أحد لم يصل إلى رتبة الاجتهاد، حكم الأئمة على من يتصدر للاجتهاد وليس أهلًا له بأنه ضال مُضِل، لأنه في هذه الحالة يجعل الحرام حلالًا، والواجب مباحًا، أو المباح حرامًا، أو يعطل لنصوص بحجة أنها مؤقتة بوقت، أو كانت مرحلية، إلى غير ذلك من أقوال إن لم تكن صادقة فهي الضلال عينه.
* * *
وإلى الباب الأول من قسم السيرة النبوية.
[ ١ / ١٣١ ]
الباب الأول
من
سيرته ﷺ
وهو