قد توجد التاريخية في حياة بعض الناس، وقد يوجد شيء من الكمال في حياة هؤلاء، ولكن أن تكون حياتهم من الخصب والغنى بحيث تسع الناس زمانًا ومكانًا - حيث إن هذا هو المطلوب في سيرة القدوة والهادي - فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ فقد اجتمع في سيرته التاريخية والكمال في التصرفات، والشمولية، حتى لتسع سيرته الزمان والمكان والأشخاص، بالقدوة والهداية، وهذا هو محور المحاضرة الخامسة.
يقول المؤلف:
ليس من الممكن أن يكون جميع الداخلين في دين من الأديان من طائفة بشرية واحدة، أو أن يكونوا من شعب إنساني واحد، لأن الدنيا قد قام بنيانها على التنوع في الأعمال والاختلاف في الأفعال، ولولا أن الناس مختلفون في مهنهم ومكاسبهم وأشغالهم ومعايشهم، وهم يتعاونون ويساعد بعضهم بعضًا، لخربت الدنيا.
ولابد للعالم من ملك أو رئيس جمهورية أو وال يتولى أمورهم العامة، وحاكم يحكم بينهم فيما يختلفون فيه. وكذلك لا تخلو الدنيا من رعية يرعى أمورهم رئيس، ومن محكومين يحكم فيهم حاكم، ومن خصوم يقضي بينهم قاض بالعدل، ليسود الأمان ويستتب
[ ١ / ١١٧ ]
السلام. وكذلك الأمم تحتاج إلى أن يكون لها جنود يدافعون عن كيانها، وأن يكون على الجنود ضباط وقادة، وتجد فيهم الفقراء الذين يعانون الشدة والبؤس، كما تجد فيهم الأغنياء من أهل الترف والسرف. وفيهم عباد لله يقومون بطاعته في جوف الليل، وزهاد تحرروا من متع الدنيا وزخرفها، ومجاهدون في سبيل الله يقارعون الباطل ويقيمون الحق في الأرض، وكذلك الدنيا لا تخلو من قادة الأمم وساسة الشعوب وزعماء الأحزاب.
وعلى شتى الطوائف ومختلف الفرق قام نظام هذه الدنيا، وكل منهم يحتاج في عمله إلى حياة مثالية وأسوة كاملة يقتدي بها ليكون سعيدًا في الحياة. والإسلام دعا جميع هذه الفرق والطوائف والأحزاب لأن يتبعوا سنة محمد ﷺ ويقتفوا آثاره ويسلكوا طريقه.
ومن تتبع ذلك يتبين له أن السيرة المحمدية تكفي جميع شعوب البشر وطوائفهم وفرقهم، إذا اتخذوا منها الأسوة والقدوة، ففيها النور الذي يستضاء به في ظلمات الحياة الاجتماعية وكم من ظلمة حالكة في الحياة! ومن هنا تعلم أن سيرة محمد رسول الله ﷺ جامعة تجد فيها كل طائفة من طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقتدي به، والأسوة التي يتأسى بها.
ومن الظاهر الواضح أن حياة المحكوم لا تصلح لأن تكون قدوة لحياة الحاكم، كما أن حياة الحاكم لا تلح لأن تكون قدوة لحياة المحكوم. وكذلك الفقير المعدم لا يتسنى له أن يسير في معيشته على ضوء من حياة الغني المثري" ومن ثم مست الحاجة إلى أن تكون الحياة المحمدية جامعة يجد فيها الناس كلهم - على اختلاف طوائفهم - الأسوة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها، وإن مثلها كمثل الياقة الجامعة لكل أصناف الزهور والورود بجميع ألوانها، ففيها الأحمر القاني والأبيض الناصع والأخضر الناضر والأصفر الفاقع.
وفي البشر طوائف مختلفة وفرق شتى تحتاج كلها إلى حياة مثالية تكون نموذجًا لها في حياتها ومعيشتها. ولكل إنسان من هذه الطوائف أعمال وأحوال تتقلب عليه بتقلب الظروف، بين قيام وقعود ومشي وأكل وشرب ونوم ويقظة وضحك وبكاء وارتداء الملابس وخلعها وأخذ وعطاء وتعلم وتعليم، وقد يموت حتف أنفه أو يقتل، ويكون محسنًا لغيره أو محتاجًا لإحسان الآخرين إليه، وقد يكون في عبادة ربه أو في معاملة الناس
[ ١ / ١١٨ ]
ومعاشرتهم، وقد ينزل على غيره ضيفًا أو يستقبل الضيف ويقوم له بحق القِرَى. هذه الأحوال وغيرها تطرأ على الإنسان وتعرض له فيما يتعلق بجسمه وجوارحه فيحتاج في كل حال منها إلى هداية نافعة وأسوة كاملة.
وأعظم من الأسوة في أعمال الإنسان الظاهرة، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب ومجالات الفكر ونزعات العواطف، فنحن نشعر بين كل حين وآخر بنزعات وعواطف تخالج قلوبنا وأفكارنا، فنرضي ونسخط، ونفرح ونحزن وتعترينا السكينة والطمأنينة أو القلق والضجر، وتترتب على هذه الأحوال عواطف مختلفة ونوازع متعددة، وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القوية والنوازع الثائرة، ولا يحظى بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند جموحها، ويحسن التصرف فيها وقت ثورتها، ومع ذلك فلابد للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور، فيأتم به في قهر هذه القوى الثائرة والعواطف المتوثبة، إلى أن تسكن ثورة نفسه، ويسلك في ذلك مسلك قدوته الأعظم، وهو النبي ﷺ الذي يحمل بين جنبيه قلبًا زكيًا ونفسًا طاهرة وروحًا عالية نزيهة.
وهكذا المرء في كل خلة من خلال العزيمة والشجاعة والشكر والتوكل والرضا بالقدر والصبر على النوائب والتضحية والقناعة والاستغناء والإيثار والجود والتواضع والمسكنة، وسائر ما يطرأ على البشر في منفسح حياتهم ومدى عيشهم، وما ربما يعتري هذه الخصال في ساعات مختلفة من مضطرب حياة الإنسان، فإنه يحتاج في كل ذلك إلى أسوة وهداية ممن سبق له العمل بذلك، وأنى لنا هذه الأسوة الكاملة والهداية التامة إلا في حياة محمد رسول الله ﷺ.
إذا كنت غنيًا مثريًا فاقتد بالرسول ﷺ عندما كان تاجرًا يسير بسلعه بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين.
وإن كنت فقيرًا معدمًا فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب أبي طالب، وحين قدم إلى المدينة مهاجرًا إليها من وطنه وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئًا.
[ ١ / ١١٩ ]
وإن كنت ملكًا فاقتد بسنه وأعماله حين ملك أمر العرب، وغلب على آفاقهم، ودان لطاعته عظماؤهم، وذوو أحلامهم، وإن كنت رعية ضعيفًا فلك في رسول الله أسوة حسنة أيام كان محكومًا بمكة في نظام المشركين.
وإن كنت فاتحًا غالبًا فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوه في بدر وحنين ومكة، وإن كنت منهزمًا - لا قدر الله ذلك - فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى ورفقائه المثخنين بالجراح.
وإن كنت معلمًا فانظر إليه وهو يعلم أصحابه في صُفَّة المسجد، وإن كنت تلميذًا متعلمًا فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيًا مسترشدًا. وإن كنت واعظًا ناصحًا ومرشدًا أمينًا فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النبوي.
وإن أردت أن تقيم الحق وتصدع بالمعروف وأنت لا ناصر لك ولا ميعن فانظر إليه وهو ضعيف بمكة لا ناصر ينصره ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحق ويعلن به. وإن هزمت عدوك، وخضدت شوكته، وقهرت عنده، فظهر الحق على يدك، وزهق الباطل، واستتب لك الأمر، فانظر إلى النبي صلى لله عليه وسلم يوم دخل مكة وفتحها.
وإن أردت أن تصلح أمورك وتقوم على ضياعك فانظر إليه ﷺ وقد ملك ضياع بني النضير وخيبر وفدك كيف دبر أمورها وأصلح شئونها وفوضها إلى من أحسن القيام عليها.
وإن كنت يتيمًا فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله وقد توفيا وابنهما صغير رضيع. وإن كنت صغير السن فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية. وإن كنت شابًا فاقرأ سير راعي مكة. وإن كنت تاجرًا مسافرًا بالبضائع فلاحظ شئون سيد القافلة التي قصدت بُصرى.
وإن كنت قاضيًا أو حكمًا فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوغ الشمس ليضع الحجر الأسود في محله وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل يستوي عنده منهم الفقير المعدم والغني المثري.
[ ١ / ١٢٠ ]
وإن كنت زوجًا فاقرأ السيرة الطاهرة والحياة النزيهة لزوج خديجة وعائشة. وإن كنت أبا لأولاد فتعلم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء وجد الحسن والحسين.
وأيًا من كنت، وفي أي شأن كان شأنك، فإنك مهما أصبحت أو أمسيت وعلى أي حال بت أو أضحيت فلك في حياة محمد ﷺ هداية حسنة وقدوة صالحة تضيء لك بنورها دياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أودك، وتقوِّم بسنته عوجك.
وإن السيرة الطيبة الجامعة لشتى الأمور هي ملاك الأخلاق وجماع التعاليم لشعوب الأرض وللناس كافة في أطوار الحياة كلها وأحوال الناس على اختلافها وتنوعها، فالسيرة المحمدية نور للمستنير، وهديها نبراس للمستهدي وإرشادها ملجأ لكل مسترشد.
بمثل هذا البيان تحدث المؤلف عن الشمولية في السيرة النبوية، وقارن في هذه المحاضرة بين حياة محمد ﷺ وحياة غيره من الأنبياء، فأثبت أن سيرة غير سيرته لم يثقل لنا منها مثل هذه الشمولية، ومن ثم كلف الله ﷿ الإنسانية جميعًا - وإلى قيام الساعة - أن تقتدي به، وبيّن أن الاقتداء بغيره ليس كافيًا، عدا عن كونه لا يمثل التكليف الإلهي بعد بعثته - ﵊ -.
وقدّم في جملة ما قدّم براهين على شمولية سيرته ﷺ أن دعوته منذ نشأتها كانت موجهة لكل الناس، ودخل فيها كل الناس، وكل الأصناف، وظهرت في أتباعه جميع الطبقات، وكلهم سواء كانوا سياسيين أو عسكريين أو زهادًا أو عبادًا أو علماء مربين وسعتهم سيرته وكان لهم القدوة الكاملة.
وكما أنه في المحاضرة السابقة استطرد ليبعث على الإيمان بمحمد ﷺ ويستجلب التصديق، فههنا كذلك استطرد ليعمق الإيمان، فضرب الأمثلة على الانقلاب الهائل الذي حدث في حياة أصحاب رسول الله ﷺ فأصبحوا أكمل الخلق في كل شيء، كما تحملوا في سبيل هذه الدعوة ما لا يتحمله إل أصحاب الدعوات الربانية، وذلك وحده علامة من علامات الرسالة.
[ ١ / ١٢١ ]
وختم هذه المحاضرة بقوله:
لقد بينت لكم في هذه المحاضرة ما كان في الرسول الأعظم ﷺ من خلالٍ جامعة. وقد أشرت إلى مظاهرها العديدة ونواحيها المختلفة، وإخالكم قد ألفتم مما درستم في طبيعة الكون من ألوان مختلفة، وما عرفتم في طبائع البشر من مواهب شتى وهذه الدنيا ليست إلا مظهرًا من مظاهر الحياة متنوعة الألوان - أن العالم لا يمكن أن تكون هدايته إلا بالمصلح الأخير للدنيا وهو خاتم رسل الله محمد ﷺ الذي اجتمعت فيه خلال الإرشاد كلها وخصال الإصلاح للنوع البشري بأجمعه، ولذلك قال له الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) فوجه الرسول ﷺ الدعوة إلى كل من يدعي محبة الله بأن يتبعه ويطيع أمره، ونادى الملوك في ممالكهم، والرعاع في شوارعهم، والمعلمين في مدارسهم، والتلاميذ في فصولهم، والفقراء في أكواخهم، والأغنياء في قصورهم، كما دعا المظلومين والمقهورين والمخذولين، بل أهاب بالعالم كله أن يتبعوا سبيله ويقتفوا أثره، لأن سيرته الشريفة هي المثل الأعلى، وفيها الأسوة الكاملة لكل من يحب الخير ويبتغي الصلح لنفسه.
اللهم صل وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين.
* * *
(٦)