* سبق ذكر ما ورد عن حليمة السعدية في مسألة شق الصدر، في الفصل السابق.
٢٣ - * روى الحاكم عن عتبة بن عبد السُّلمى أن رجلًا سأل رسول الله ﵌: كيف كان أول ِأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد ابن بكر، فانطلقتُ أنا وابن لها في بُهمٍ لنا، ولم نأخذ معنا زادًا فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزادٍ من عند أمنا فانطلق أخي، وكنت عند البهم، فأقبل طيرانِ أبيضانِ كأنهما نسرانِ فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفاء، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: حصهُ - يعني خِطهُ - واختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخروا عليِّ، فقالا: لو أن أمته وُزنت به لمال بهم. ثم انطلقا وتركاني وفرقت فرقًا شديدًا، ثم انطلقتُ إلى أمي فأخبرتها بالذي رأيت، فأشفقتْ أن يكون قد التبس بي فقالت: أعيذُك بالله، فرحلت بعيرًا لها فجعلتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا أمي فقالت: أديتُ أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت. فلم يرُعها ذلك، فقالت: إني رأيت خرج مني نورًا أضاءت منه قصور الشام".
٢٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ - وهو يلعب مع الغلمان - فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئرهُ - فقالوا: إن محمدًا قد قتل؛ فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٦١٦)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. حاضنتي: الحاضنة هي التي تقوم على تربية الصغير مقام الأم. بُهم: مفردها بهمة وهي الصغير من الشأن.
(٢) مسلم (١/ ١٤٧) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات. العلقة: القطعة من الدم، لأمه: جمعه وضم بعضه إلى بعض. ظئره: مرضعته: وهي حليمة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة ظئر. منتقع: يقال: انتقع لونه وامتقع: إذا تغير.
[ ١ / ١٦٤ ]
٢٥ - * روى النسائي عن أنس - أيضًا - قال: إن الصلوات فُرضت بمكة، وإن ملكين أتيا رسول الله ﷺ فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه، وأخرجا حشوه في طستٍ منْ ذهبٍ، فغسلاه بماء زمزم، ثم كبسا جوفه حكمةً وعلمًا.
أقول:
الحادثة التي أخرجها مسلم غير الحادثة التي ذكرها النسائي، فتلك في الصحراء وهذه في مكة، وهذه متأخرة.
٢٦ - * روى عبد الله بن أحمد عن أُبي بن كعب، أن أبا هريرة كان حريصًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله! ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا، وقال: "لقد سألت أبا هريرة، إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهرٍ، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا برجلٍ يقول لرجلٍ: أهو هُوَ؟ قال: نعم" فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها لخلق قط، وأرواحٍ لم أجدها من خلق قط، وثيابٍ لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحدٍ منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسًا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصرٍ، فقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدرهُ. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقها - فيما أرى - بلا دمٍ ولا وجعٍ. فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئًا كهيئةِ العلقةِ، ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرحمة والرأفة، فإذا مثلُ الذي أخرج شبيه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، فقال: أغدُ وأسلم فرجعتُ بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة على الكبير".
_________________
(١) النسائي (١/ ٢٢٤) كتاب الصلاة - باب أين فرضت الصلاة.
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على أبيه ورجاله ثقات وثقتهم ابن حبان. لقد سألت أبا هريرة: أي: لقد سألت سؤالًا مهمًا يا أبا هريرة، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر: القصر الإجبار، والهصر: الجذب والإمالة والكسر والدفع، والمعنى أنهم شقاو صدره بكل لطف وحنان دون إجبار أو قسوة، إفلق: من الفلق وهو الشق، وفلقه: شقه.
[ ١ / ١٦٥ ]