ومن بين الرسل جميعًا يظهر محمد ﷺ كأكمل رسول، وهو من بين الرسل جميعًا تصلنا دعوته مفصلة وسيرته كاملة، ولذلك فهو الذي يمكن أن يُهتدى بهديه اهتداءً كاملًا، ويُقتدى بسيرته اقتداءً كاملًا، لأنه من بين الأنبياء كانت سيرته ورسالته تجتمع فيها: التاريخية والشمولية والكمال والعملية، عدا عن كون رسالته هي الرسالة الخاتمة والناسخة، وهي التكليف الرباني الذي لا يقبل الله غيره، ولكنها كذلك جعلها الله على ما ذكرنا.
هذا هو محور المحاضرة الثانية:
[ ١ / ١٠٢ ]
إن لكل رسول ميزة وخصيصة، ومحمد ﷺ من بين الرسل تجمعت فيه الميزات والخصائص جميعها على كمالها وتمامها، ولكل رسول إضاءته وتبشيره وإنذاره ودعوته، ومحمد ﷺ من بين الرسل الشمس المنيرة والبشير الأعظم والمنذر الأكبر والداعية الأجل، فهو النبي الجامع محمد ﷺ لأنه بعث ليختم الله به النبيين والنبوات، فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافة، فجاء بالشريعة الكاملة التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولم تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة، لقد حظيت التعاليم المحمدية بالخلود، واختصت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد ﷺ جامعة لجميع الأخلاق العالية والعادات السنية، وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق.
ثم يأتي بالأدلة والبراهين على ذلك، وأول برهان على ذلك: أن سيرته وشريعته باقيتان خالدتان معروفتان.
ثم يتحدث عن أشهر الديانات المعروفة: الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية والزرادشتية واليهودية والمسيحية، ليقيم الدليل على أن المنقول منها لا يغطي احتياجات البشرية في الهداية ولا في القدوة.
يقول المؤلف:
إنه ليس في مئات الألوف من المصلحين والنبيين من يشهد لهم التاريخ إلا ثلاثة أو أربعة، ومع ذلك فإن التاريخ لا يعرف من تفاصيل أحوالهم وشؤون حياتهم ودخائل سيرتهم إلا نزرًا يسيرًا وغير كامل، فكيف يتسنى للإنسان أن يتخذ من ذلك أسوة لحياته ذات النواحي المختلفة؟.
وأخذ يضرب الأمثلة في البرهان على ذلك من خلال ما يعرفه الناس عن بوذا وزرادشت وموسى وعيسى، مع البرهان على أن هذه المعلومات - كما وردت عن أهلها - لا تشكل روايات ثابتة، ويخلص بالتالي إلى أن كل ما تعرفه البشرية عن الأنبياء السابقين عن طريق أتباعهم لا تجتمع فيه شروط التاريخية أو الواقعية أو الشمولية أو الجمع لكل ما يلزم الإنسان وهي شروط الاهتداء والاقتداء. ثم إن هذه الديانات نفسها على حسب ما
[ ١ / ١٠٣ ]
نقلت لنا ليس فيها ما يتفق مع الفطرة البشرية، إنَّ في شأن الربوبية أو في شأن السلوك أو في شأن العمران، فعدا عن قصورها فإن فيها انحرافًا وضلالًا وخرابًا، فبعض هذه الديانات ليس لله فيها ذكر كالديانة البوذية والصينية، وبعضها ليس في أصولها المنقولة تفصيل عن طبيعة العلاقة مع الله كالديانة اليهودية والمسيحية، وفي التعامل بين بني الإنسان لا تجد تفصيلًا شاملًا بل نجد قصورًا وأخطاء فطرية، ولو طبقت هذه الأديان حرفيًا كما وصلت إلينا لترتب على ذلك خراب العالم وشقاء الإنسان.
يقول المؤلف:
لم تكن سيرة بوذا قط أسوة للهناء العائلي، ولا لأهل الصناعات والمتاجر، ولو اتخذ أتباع بوذا قدوة لهم من حياة بوذا لما قامت لهم هذه الدول في الصين واليابان وسيام وتبت وبرما، ولما عمرت للتجارة في بلادهم سوق، ولا دبت الحياة في صناعاتهم ومصانعهم، ولو اختار أهل تلك البلاد سيرة متبوعهم سيرة لهم وساروا عليها لأقفرت الأرض العامرة وتحولت إلى صحاري قاحلة، ولأصبحت المدن خرابًا أو أرضًا جرداء.
ولو أن الناس في أيامنا هذه آثروا التأسي بحياة عيسى - ﵇ - وأرادوا أن يعيشوا كما عاش، لخربت الدنيا واستحال عمرانها خرابًا يبابًا، ولأصبحت القرى مقابر تتردد في أنحائها أصوات البوم، أما الحضارة وتقدمها فسرعان ما يعتريهما الزوال ويمحى اسمهما، وأوروبا المسيحية لن تبقى بعد ذلك يومًا واحدًا.
ويخلص في نهاية المحاضرة إلى قوله:
إن الإنسان ينشد مثالًا يقتدي به في كل عمل يقدم عليه، في غناه وفقره، وفي سلمه وحربه، ويتحرى السبيل الذي يسلكه إذا تزوج أو بقي عزبًا، ويريد أنموذجًا عاليًا يأتم به إذا عبد ربه، أو عاشر الناس، ويحاول أن يلم بالقوانين التي ينبغي العمل بها بالنسبة إلى الراعي والرعية والحكام والمحكومين.
جميع هذه الأمور ينبغي للمرء أن يتخذ لنفسه القدوة فيه، لأن الأمم قد التوت عليها هذه المسألة، فأهمها التماس الطريق الموصل إلى حلِّ هذه المعضلات وتذليل هذه المصاعب،
[ ١ / ١٠٤ ]
ومعظم الشعوب تشعر بالحاجة الشديدة إلى المثل العليا في ذلك لتخفف عن الإنسانية آلامها وتأسو جراحها، وهي متلهفة على مثال لذلك من الأعمال، لا على مثال عليه من الأقوال.
ولست بمبالغ إذا قلت: إن التاريخ أصدق شاهد على أنه ليس في الدنيا أحد يصح أن يكون للإنسانية أسوة من سيرته وحياته غير سيرة محمد ﷺ وحياته.
وليكن على ذكر منكم ما تحدثت به إليكم من قبل، وهو أن حياة العظيم التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في الحياة ينبغي أن تتوافر فيها أربع خصال:
١ - أن تكون (تاريخية) أي أن التاريخ الصحيح المحض يصدقها ويشهد لها.
٢ - أن تكون (جامعة) أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شئونها.
٣ - أن تكون (كاملة) أي أن تكون متسلسلة لا تنقص شيئًا من حلقات الحياة.
٤ - أن تكون (عملية) أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حققه بسيرته وعمل به في حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية، فأصبحت أعماله مثلًا عليا للناس يتأسون بها.
وأنا لا أقول إن الأنبياء صفرت صحائف حياتهم من هذه الميزة مدة وجودهم في الحياة الدنيا، بل أقول إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس لا تنص على هذه الأمور، ويخيل إليَّ أن الحكمة الإلهية في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثِ الواحد منهم لزمن قصير نسبيًا فكان الموفقون للخير من شعوبهم يعرفون سيرتهم فيتأسون بها، ولم يكن هنالك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأن النبؤات ستختم برسالة محمد ﷺ الكاملة إلى الناس كافة في كل زمان ومكان، فمست الحاجة إلى أن تكون سيرته ﷺ معلومة عل حقيقتها في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، ليتيسر التأسي بها لجميع أمم الأرض. وهذا من أصدق البراهين على كون محمد ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
_________________
(١) الأحزاب: ٤٠.
[ ١ / ١٠٥ ]
الشروط الصحيحة لسيرة الهادي القدوة
ثم جاءت المحاضرات الأربع اللاحقة تنصبُّ على الشروط التي يجب أن تتوافر فيها سيرة الهادي القدوة. فالأولى في شرط التاريخية، والثانية في شرط الكمال، والثالثة في شرط الشمول، والرابعة في شرط العملية.
* * *
(٣)