١ - إنها مرحلة تبليغ ودعوة مستمرين، فلقد سمع بالدعوة كل العرب تقريبًا، ولقد استفاد رسول الله ﷺ من موسم الحج، فبلغ تبليغًا مباشرًا على مدى سنوات كل من استطاع الوصول إليهم.
قال المقريزي:
ثم عرض نفسه على القبائل أيام الحج، ودعاهم إلى الإسلام وهم: بنو عامر وغسان وبنو فزارة وبنو مرة وبنو حنيفة وبنو سليم وبنو عبس وبنو نصر وثعلبة بن عكاية وكندة وكلب وبنو الحارث بن كعب وبنو عُذرة وقيس بن الخطيم وأبو الحيسر أنس بن أبي رافع وبنو شيبان وبنو مجاشع وسويد بن الصامت والطفيل بن عمرو الدوسي وصمام بن ثعلبة.
وقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة.
ويقال: إنه ﷺ بدأ بكِندة فدعاهم إلى الإسلام ثم أتى كلبًا ثم بنى حنيفة ثم بني عامر، وجعل يقول: مَنْ رجلٌ يحملني إلى قومه فينعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟ هذا؛ وعمُّه أبو لهب وراءه يقول للناس: إنه كاذب، إنه ساحر، إنه كاهن، إنه شاعر، أكاذيب يقترفونه بها حسدًا من عند أنفسهم وبغيًا؛ فيُصغي إليهم من لا تمييز له من أحياء العرب، وأما الألباء فإنهم إذا سمعوا كلامه ﷺ وتفهموه شهدوا بأن ما يقوله حق وصدق، وأن قومه يفترون عليه الكذب، فيسلمون.
٢ - إنها مرحلة تكوين رفيع المستوى للجيل الأول، فقد انصهر فيها ذلك الجيل بالمعاني القرآنية واحترق بمعاني العبادة، وخرج ذهبًا من محنة الاضطهاد والإيذاء
[ ١ / ١٩٠ ]
والتشكيك، وتجرد للآخرة حق التجرد، وانسلخ عن الجاهلية انسلاخًا تامًا، وبذلك وُجِدَ الجيل القادر على حمل الدعوة وصهرِ الناس فيها حتى إذا جاءت مرحلة الدولة في المدينة المنورة كان الملاك القيادي معدًا.
لقد كانت المرحلة المكية مرحلة تعريف وتكوين، وضع فيها الأساس للعمل الدعوي والتكويني إلى قيام الساعة، كما أنها المرحلة التي تعد لأعباء المرحلة اللاحقة مرحلة الجهاد المتواصل، على أعلى وأرقى ما يكون.
لقد كانت مرحلة مران على ضبط النفس والطاعة المطلقة، وكانت مرحلة تعلق بالمثل العليا - وهم رسل الله ﷺ جميعًا - ولذلك نزلت أكثر قصص الأنبياء في هذه المرحلة.
وقد أخذ الأستاذ البنا - ﵀ - من هذه المرحلة والمرحلة اللاحقة فكرته الرئيسية: أن الدعوة الإسلامية مر بثلاث مراحل: مرحلة التعريف ومرحلة التكوين ومرحلة التنفيذ. ولقد صاغ نظريته هذه متأسيًا بالسيرة، ومنسجمًا مع اكتمال الوحي واستقرار التشريع، وملاحظًا الأوضاع المعاصرة للمسلمين، فكانت نظرية لا أجمل منها ولا أكمل.
٣ - وتجد في هذه المرحلة أن الرسول ﷺ كان يتجنب الصراع السياسي والصراع العسكري، ويكرس كل جهوده للوصول بالدعوة إلى قلوب الناس وعقولهم، دون أن يعطي لعدوه فرصة الاستئصال للدعوة والداعية، بل كان كثير الحرص على تأمين الحماية للدعوة والداعية والمستجيبين، ولقد عدّد الطرق التي تتأمن بها الحماية: فمن دخول في حماية، إلى أمر بهجرة، إلى طلب لبعضهم أن يعيشوا في أكناف قبائلهم مستفيدًا من الأعراف والعادات والتقاليد.
وهذا وضع يجب أن يفطن له الدعاة فلا يعطوا فرصًا لخصومهم كي يستأصلوهم، وعليهم أن يستفيدوا من الأعراف الدولية والقوانين المحلية ليعطوا لدعوتهم فرصة السير.
٤ - كما أنه من الواضح في هذه المرحلة أن الرسول ﷺ كان دائب البحث عن الجهة القادرة على حماية هذا الدين ونصرته والقيام بنشره، وفي اصطلاح عصرنا كان دائم
[ ١ / ١٩١ ]
البحث عما تقوم به دولة الإسلام يعيش المسلمون في ظلها أحرارًا آمنين، وتقوم هذه الدولة بحمل الإسلام والتبشير به والانتصار له ولأهله، وجاءت الفرصة بقبول الأوس والخزرج القيام بهذا الدور، وبذلك قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، وهذا درس للدعاة ألا تقف هممهم دون الوصول إلى دولة للإسلام تقيمه في واقع الحياة وتحمي حماه.
٥ - إنها مرحلة بطيئة من حيث الكم كبيرة من حيث الكيف؛ لأنها المرحلة التي تمهد لكل المراحل اللاحقة إلى قيام الساعة.
* * *
[ ١ / ١٩٢ ]