لقد نهج البخاري في جمع صحيحه منهجًا يدعو إلى الثقة والاطمئنان إلى صحة أحاديثه، وقد بالغ في التحري عن الرواة، والتوثق من صحة المرويات، وبذل في هذا أقصى ما وصل إليه الجهد الإنساني، وما زال يوازن بين المرويات، ويمحصها، ويتخير منها ما تركن إليه نفسه حتى صار كتابه إلى الحالة التي هو عليها تحريرًا وتنقيحًا، يدل على ذلك ما روي عنه أنه قال: صنفت هذا الجامع من ستمائة ألف حديث - في ست عشرة سنة.
ومع أن البخاري اتبع في جمع صحيحه قواعد البحث العلمي الصحيح فقد استلهم الجانب الروحي من نفسه، قال تلميذه الفربري. سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: صنفت كتاب الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا إلا استخرت الله، وصليت ركعتين، وتبينت صحته.
ومراده أنه بوب أبوابه، ووضع أساسه في المسجد الحرام، ثم بيض تراجمه، وأصوله في
[ ١ / ٣٨ ]
الروضة (١) بين قبر النبي ﷺ ومنبره، ثم صار يجمع ما يتيسر له من الأحاديث، ويضعها في أبوابها اللائقة بها في الحرمين وغيرهما من البلاد التي ارتحل إليها، وقد مكث في تأليف صحيحه ست عشرة سنة، وهو يحرر ويدقق، وينتقي ويتخير ما هو على شرطه حتى جاء كتابه على ما أحب، ويحبه طلاب الحقيقة، ورواد البحث.
وبذلك اجتمع لهذا الكتاب الصحيح من دواعي التوفيق إلى الحق والصواب ما لم يجتمع لغيره، فلا عجب أن كانت له منزلة سامية في نفوس العلماء، وأن تلقته الأمة الإسلامية بالقبول والاطمئنان إلى ما فيه، وأن استحق أن يطلق عليه أنه أصح الكتب المدونة في الحديث النبوي.